الجمعة, 09 فبراير 2018 06:05 مساءً 3 1 0
ان للحزن ربيعا يزهر
ان للحزن ربيعا يزهر

صالح الشفيع النيل

  اطل القمر البدري علي رؤوس اشجار الهجليج الباذخة التي تزين بيتهم من جهة الجنوب وتقطن علي اغصانها طيور السمبر والرهو وهي تبني اعشاشها علي الاغصان الباسقة ايذانا» بقرب ميلاد الفراخ العارية الجائعة دوما». وما ضر ان جاورهم الطير من كل جنس سيما  ان امه سبق ان حدثته عن قيمة واهمية الجوار حتي وان كان الجار طائرا» حيث انه لا ينبغي ان يؤذي الجار جاره . وهكذا بدا يراقب الطيور ذات الريش الابيض والاسود اللامع وهي تبني اعشاشها بصبر واناة ونفس طويل . وتربي  فراخها وتطعمها لمدة ثلاثة شهور كاملة هي شهور فصل الخريف . ثم تطير بها نحو منابع النيل عندما يجف المطر في الشمال . وقيل انه في العام التالي تاتي الفراخ وحدها - دون مرافقة الامهات - الي نفس الاعشاش لتبدا دورة حياة جديدة . وهكذا كان يحب الطيور بكافة اشكالها دون ان يؤذيها. وكانت الابقار ترقد  في دورها علي الارض  وهي مستانسة لصوت النوبة الشجي الصادر من بيت الخليفة رمضان المجاور . ولم يشك لحظة بان الابقار تطرب وتمدح علي طريقتها الخاصة نظرا» للهدوء الذي يشوب حركتها وهي راقدة مطرقة تلوك وتجتر غذاءها . سال اباه عن كيفية وبداية اقامتهم في هذا الجانب الجنوبي القصي من المدينة التي قيل انها تتوسط السودان كما السرة من الجسد . و انس الوالد في ابنه خيرا» مبكرا» وطفق يقص علي ابنه تاريخ اجداده في اختصار وشمول في ان . وكان ياما كان في سالف العصر والاوان ان اجداده كانوا اصحاب مال وباس ومشيخة يجوبون السهول والوديان من اقاصي بحر العرب الي مشارف اراضي السافانا الفقيرة في الشمال  بحثا» عن المراعي الجديدة وهربا» من الذبابة التعيسة التي تقضي علي الماشية والانسان معا». وكانوا يسمعون بسيطرة الانجليز او الاتراك الجدد علي مقدرات البلاد مرة اخري بعد معركة كرري الشهيرة . وفرض الاحفاد علي انفسهم ان يقاطعوا الترك اينما وجدوا سيما وان مصارع اجدادهم وعشيرتهم مازالت تقطر دما» وعرقا» باردا» وحزنا» .

وسارت الامور علي ذلك  النحو حتي الت عمادة الاسرة الي جده لابيه.

راي الجد الحكيم ان الاستقرار قد يكون افضل من الترحال لسببين اولهما ان الماشية لم تعد بتلك الاعداد المهولة التي تستدعي التنقل بها من مرعي الي مرعي اخر اكثر اخضرارا» كما جرت العادة في رحلتي الشتاء والصيف المعتادتين . فقد اضمحلت تلك الثروة الحيوانية البهية خلال اجيال فخيمة  من الريادة والسيادة والشجاعة والجود والكرم قل ان تجد نظيرا» لها . اما السبب الاخر فان حياة الاستقرار قد تجلب منافع انية ومستقبلية قد تكون أكثر فائدة للاسرة علي المدي البعيد . عليه القي الجد عصا الترحال وتخلف عن ركب الظاعنين فجرا» صوب الجنوب . واستقر مع قبائل البقارة الاخري التي ربما كان لديها منظورا» مشابها». ورغم جراة والم القرار فان طائر الفينيق لابد ان يولد من النار ايضا». وتناثرت الفرقان الي الجنوب من الديم الكبير او هو في حقيقتة ( فحل الديوم ) كما سارت بذلك الركبان من حكامات وشعراء شعبيون ومبدعون .  كانوا يوفرون للمدينة  اللبن ومنتجاته وكذلك اللحوم الحية كالبقر والغنم والماعز بينما يحصلون مقابل ذلك علي لوازم حياتهم من سكر وشاي وقماش . وكان صبيانهم  يلعبون علي خط السكة الحديد القادم من الافق البعيد حيث صارع اجدادهم لطرد الغزاة الارجاس الانجاس الطامعون يتبعهم اذنابهم من شمال الوادي . وصمت الوالد قليلا» ثم اردف انه كان احد اولئك الصبية الذين يستقبلون ويودعون ذلك الثعبان الهائل المتلوي في غدوه ورواحه . واستدامت تلك الجفوة المتوجسة بين الفريق والمدينة لفترة ليست بالقصيرة . واكتفت الفرقان بما لديها من تراث ضخم كالنقارة والمردوم والمصارعة ولم تختلط بالمدينة الا في حدود المنفعة المتبادلة ذلك ان المدينة ليست مامونة العواقب دائما» لانها خليط من الصالح والطالح . واستمر الحال علي هذا المنوال سنين عددا» الي ان جاء المفتش الانجليزي ذات يوم والقي اوامره الصادمة .

جاء المفتش الانجليزي علي صهوة جواده الاصهب متبخترا» كما الطاؤوس وقت التزاوج . وقال في لهجة سودانية صارمة مخاطبا» شيوخ الفرقان الذين تجمعوا بطلب مسبق منه بان الحكومة قررت ازالة كافة فرقان البقارة الموجودة في تلك المنطقة بسبب عزمها - اي الحكومة - تشييد مطار للمدينة في تلك البقعة . واوضح ان علي الجميع ان يختاروا بين امرين لا ثالث لهما : اما ان ينضموا الي المدينة واما ان يعودوا من حيث اتوا بمعني ان يتوجهوا جنوبا» عائدين الي مواقع المسار والمراحيل السابقة . ووافق اكثر الشيوخ علي الانضمام الي المدينة مكرهين . وكان جنوب المدينة قد تم تخصيصه لسكن الجنود المسرحين من قوة دفاع السودان التي  حاربت مع الحلفاء في كرن والعلمين والمكسيك ومناطق اخري من العالم . وكان اسمها اختصارا» RDFS..Retired defence force soldiers .

والجدير بالذكر ان جنود قوة دفاع السودان المسرحين من الخدمة عقب الحرب العالمية الثانية منحوا الانواط والميداليات الرفيعة التي تمجد شجاعة السودانيين في كافة جبهات العمليات العسكرية  التي شاركوا فيها .  وتم منحهم الاراضي السكنية في ضواحي العديد من المدن السودانية ليستقروا فيها. واطلق الاهالي علي هذه الاحياء اسم الرديف تعريبا» واسما» موحدا» في كافة هذه المدن . وكان السكان يقطنون في اكواخ وقطاطي او غرف طينية مع حيشان من القصب . وجاء البقارة ببعض مواشيهم واقاموا خلف بيوت الجيش جنوبا». وكانوا قد اعادوا جزءا» مقدرا» من مواشيهم الي اقاربهم في الظعن واحتفظوا بالقليل الذي يعين علي الحياة . وسموا حيهم بحي العرب تارة وحي القوز تارة اخري ثم حي الشرتاي والربع الرابع وهو اخر ارباع المدينة لكن غلب اسم الرديف علي الجميع . واستطرد الوالد انهم انخرطوا في العمل الميري اي الحكومي وتم اختيارهم لتجهيز مدرج المطار بسبب بنيتهم القوية وتحملهم المشاق . وكان اول عمل قاموا به هو قطع اشجار الغابة لعدد من الكيلومترات وفرشوا المدرج بالخرسانة الناعمة . وكانت طائرات الداكوتا ومن بعدها الفوكر تنزل علي المدرج الخرساني المستوي السطح فتدمر استوائه فيقوم العمال بتسوية الارض مجددا»حتي ترتفع عليها الطائرة عند المغادرة . وكان العمل اكثر مايكون مشقة في فصل الخريف اذ تصبح تسوية الارض مشكلة حقيقية نظرا» لاختلاط الحجارة بالطين وتماسكها مما يصعب معه طرحها بالجرافات اليدوية .

وتنفس الابن الصعداء . وارتفع القمر  ناشرا» خيوطا» فضية من نور وامل وحب. واضمر الابن امرا» قد يبدو ساذجا» في ظاهره . وعمل الوالد سنين عددا» في المطار حتي اصبح مطارا» دوليا» مضاءا» يستقبل طائرات الجمبو جت في جوف الظلام . ورغم ذلك لم يتسن له ركوب الطائرة . وتخرج ابنه الذي حرص علي تعليمه . ونفذ تعهد طفولته وهو ان يري اباه مسافرا» بالطائرة وليس خادما» لها..

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

شارك وارسل تعليق

برنامج فى الواجهه التلفزيونى

الكاريكاتير

القنوات الفضائية المباشرة