السبت, 02 فبراير 2019 03:35 مساءً 0 93 0
الأثر الوجداني للخطاب
الأثر الوجداني للخطاب

الدكتور محمد علي عبد الجابر

لم يكن ممكنا ولا مقبولا ان يتخلف شاعر في حجم الراحل الصادق ود امنة شاعر البطانة المعروف دون أن يخلد حدثا مؤلما وحزينا كوفاة ناظر الشكرية رحمه الله , ذلك الحدث الذي هز الحواضر والفرقان والأرياف وفرض نفسه وحضوره علي كل ما دونه من أحداث , والحدث من عظمته اجبر قرائح الشعراء ان تتبارى في تسجيل مناقب ومآثر ذلك الزعيم الكبير, والصادق لم يكن لينتظر ان يطلب منه ذلك , فكانت نفسه العاشقة والتواقة الي ذلك النعي الذي صاغه في كلمات سارت بها الركبان في ذلك الزمان فقال مخاطبا الشكرية في مضاربهم في حلفا والصباغ والقضارف يخبرهم بوفاة شيخ العرب وقال:-
يجيرنا الله ويجيركم في المصيبة الواقعة
ركازة الزمان الحدربي صوت الصاقعة
راشاي الضعيف شيّال حمول الواقعـــــة
يسكن في البقيع يشرب مياه النــــــــــاقعة
هكذا بلغ النبأ الأليم ومن خاطبهم بالأبيات من الشكرية وغيرهم من العرب كانوا علي درجة عالية من الفطنة كالعهد بهم دائما فعرفوا من قوة النعي وصدق قائله أن مثل هذا الكلام لا يقال إلا في شيخ العرب دون ان يصدح بذلك الشاعر الصادق صراحة ومباشرا .
من يتأمل أبيات الشاعر ورغم الحزن الذي فيها يجد انه قد حفظ مقام المتوفى مثلما ما كان مقامه في حياته ووفق هذا المقام كانت المصيبة والإحساس بالفقد الجلل , وهو يرقى لفقد امة , ثم ذكر مدلولات المقام وأعطى إشارات غاية في الصدق والجمال كمساعدة المتوفى للضعفاء والمساكين ومناصرته لهم وتحمله كل المصاعب من أجل أصحاب الحاجات , وتمنى ان يكون مقامه مقابل كل ذلك و ان يكون مرقده في البقيع وذلك مقام الشهداء والصحابة , هكذا كان الصادق يؤكد رمزية شيخ العرب حتى بعد انتقاله من هذه الفانية , والأبيات بما فيها من احترام وتقدير للمتوفى وذكر لجلائل أعماله فهي أي الأبيات توقفنا امام نوع من الخطاب المنتقى والمختار بعناية فائقة , فجاءت الأبيات متوافقة مع مقام الحزن بصياغة جيدة وسلسة أكدت المقام العالي للمخاطب ودوره ومكانته عند الناس .
الشيء الذي لا جدال فيه ان للحديث فرسان وللمجالس ريحانات لا يمل حديثهم يجدون القبول  أنّا حلّوا وهكذا كان الصادق رحمه الله رغم انه لم يجد حظا من التعليم إلا أن وجدانه كان متقدا وعاطفته كانت حية ونابضة يرسل حديثا يأتي بلسما للجراح وجابراً للخواطر , يأتي فوق كل ينابيع الإنسانية ويفجرها قصيدا ودرراً .
الخطاب المثمر هو الذي يتوخى لحظات الاستجابة في نفوس الناس , هو الخطاب الذي يختار التوقيت المناسب ويصاغ في كلمات تمس شغاف القلوب ويداوي الجراحات ويأتي كالنسمة في عز الهجير.

 

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

eiman hashim
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

sss

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الكاريكاتير