السبت, 02 فبراير 2019 03:41 مساءً 0 49 0
ثقافة الجبال
ثقافة الجبال

محمد مبروك محمد أحمد

ظل أستاذي النوراني الحاج الفاضلابي يحثني على الكتابة في مجال الثقافة وقد انقطعت عنها فترة رغم ملاحقتي لكل جديد يكتب ولكل عمل ثقافي جاد ينشر.
الأستاذ القانوني والمحامي الباحث أسعد الطيب العباسي صلتي به تأريخية ومعرفتي به موثقة وإعجابي به كاتباً للرواية كبير، دعاني من خلال صديقي اللطيف محمد عكاشة لحضور الجمعية العمومية لمبادرة ثقافة الجبال والتي نفيت عنها في مقال سابق أنها ليست ثقافة جبال النوبة وحدها كما يتبادر إلى الذهن، لكنها ثقافة كل الجبال في البحر الأحمر والتاكا في كسلا والبركل في شمال السودان وغيرها، وبلا شك للجبال ثقافتها الخاصة والبيئة لها تأثيرها على ثقافة المجتمعات المحيطة بها.
يوم الإثنين الماضي دعاني للقاء حول المبادرة، دخلت إليه في مكتبه فاجأني الجو المحيط بأسعد العباسي حيث تتناثر على مكتبه الروايات وكتب القانون وأوراق ورسائل وأدوات القهوة بالفناجيل والسكر حسب الطلب، الجالسون إليه من بينهم أسماء عبد اللطيف عمر حسب الله أحد أبرز قادة الحزب الجمهوري أيام حركته وصديقتها رحاب خطاب. والتقيت صدفة بالأستاذة هند التي تعمل مع الأستاذ اسعد بمكتب المحاماة ولا أدري كيف كان سيكون حال أخونا اسعد المحامي لولا هند فهي تحل له المعضلات تجدها في بحري وفي المحكمة وفي مكتب المبادرة وتحاول معالجة مشاكل السيولة  قلت له اذا كان العلم مؤنثاً ثلاثياً ساكن الوسط يمكن صرفه ومنعه من الصرف مثل هند ودعد فالرجاء ألا تمنع هند من الصرف أصرفوا لها دائماً وقولوا
ليت هنداً انجزتنا ما تعد وشفت انفسنا مما نجد ولا تثولوا ليت هندَ .
 أما نجود حبيب الإعلامية النجمة  يميزها عن غيرها أنها أول ما تعلمت في حياتها الوفاء فكانت وفيه لقناة النيل الأزرق الدفاق فزرقة نيلها من دفق وفاء نجود إلا أنها تظل راسخة تقدم إبداعاتها وتجعل الكثيرين يتابعون النيل الأزرق ليجدوا فيها نجود وكنت ضيفاً عليها في واحد من انجح برامج النيل الأزرق (نساء ورجال ) نجود تدخل الفرح والرضاء في نفوس الاخرين ولا تنتظر منا إلا أن نرفع لها القبعات وننحني تقديراً لقناة النيل الأزرق والمبدعة نجود  
تحدثت عن الراحل المقيم عبداللطيف عمر حسب الله الذي نالني شرف العمل معه بقسم التصحيح بجريدة الصحافة سبعينيات القرن الماضي، إنسان رقيق مثقف عالم فيلسوف عف اللسان والوجدان، يهرب من الغيبة والنميمة ويواجه الناس بعيوبهم، من علماء اللغة العربية في وطننا الحبيب إذا ناقشته في الفكر الجمهوري أو غيره من القضايا هزمك بهدوئه ورجاحة عقله ولطف حديثه بشجاعة تجعلك تخشاه.
ذلك الزمان الجميل أتاح لي غير علاقتي بأستاذي عبداللطيف أن أزامل الراحلين محمد صالح فهمي الذي قال خير له أن تضربه بسوطك من أن يسمعك وأنت تلحن في القراءة أو تخطئ في الكتابة, أذكر أن طالباً تخرج في واحدة من كليات الآداب وأرسل للأستاذ محمد صالح فهمي ليختبره ليعمل بقسم التصحيح، فسأله الأستاذ في أي جامعة تخرجت فرد الطالب (تخرجت من جامعة كذا) فقال له رسبت في الامتحان وخرج الطالب، فقال لنا: الشخص يتخرج في الجامعة وليس من الجامعة، وأضاف: من للبداية (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام) ومن للتبعيض (أخرج من مالك) أي بعض مالك، فقد كنا ننال درساً كلما وقع خطأ يزيد ذخيرتنا اللغوية.
تعرفت على الشاعر والإعلامي الراحل منير صالح عبدالقادر والأستاذ عثمان علي نور صاحب أول مجلة للقصة في السودان ومن خلالها اشتهر عدد كبير من كتاب القصة والرواية والنقد الأدبي منهم جمال عبد الملك ابن خلدون، وعرفت الشاعر إدريس محمد جماع  والبروفيسور عبد الله الطيب  الذي كنا نتمسح بطرف جلبابه حباً للمجاذيب وتقرباً بأعلم أهل الدنيا باللغة العربية، ومن حسن حظي والذي أفاخر به وافتخر أني تتلمذت على أساتذتي الأجلاء الشاعر المغرد النوراني الحاج الفاضلابي الذي قال عنه صديقنا الكاتب والشاعر الدكتور عامر السماني شعر النوراني موسيقى وإيقاعات فنية ترقص على نغماتها ربات الخدور البواكيا.
والشاعر جعفر محمد عثمان شاعر الرومانسية والرمزية في عصرنا الحديث ولو كان في مصر لملأ الدنيا وشغل الناس، ولكننا لا نعرف أن نحتفي بما عندنا،  فلو لم يكتب غير قصيدته تبلدية لكفاه.
أما أستاذي بشير عبد الماجد الذي صحبني للكوفة لنلتقي بشاعر الأمة العربية أحمد بن الحسين المكنى بأبي الطيب الملقب بالمتنبي ومعه إلى بدر بن عمار، واستمعنا في ليلة مقمرة لقصيدة وصف الأسد التي مدح بها بدر بن عمار. وفي إحدى نوافذ (أخبار اليوم) كتبت استراحة قلت فيها إن الطبيبة سلوان الجميلة الرقيقة أفسدت على الشاعر المتنبي التشبيه في بيته المشهور في وصف الأسد
يطأ الثرى مترفقاً من تيهه
فكأنه أسٍ يجس عليلا
والأسي الطبيب الذي يعالج المريض الشديد المرض فهو به شديد الترفق، وعمق التشبيه واضح إلا أنها أي الطبيبة سلوان رغم جمالها ورقتها لم تكن مترفقة بنا نحن المرضى.
وذهبنا لبادية السماوة وحلب ومصر وحلب مرة أخرى وعدنا للكوفة ثم بغداد في عصرها الثاني ثم إلى شيراز مروراً بشعب بوان الذي به
طبت فرساننا والخيل حتى
خشينا وإن كرمن من الحران
والذي فيه كان الشاعر غريب الوجه واليد واللسان وبشعب بوان
وأمواه تصل بها حصاها
صليل الحلي في أيدي الغواني
ولكننا لم نشهد مقتله بيد القرامطة وقائدهم فاتك الأسدي فدامت صداقتي للمتنبي فلا يمرّ عليّ أسبوع إلا وأجلس إليه في ديوانه الواسع، وعندنا في الماضي الديوان المكان المعد لاستقبال الضيوف واستبدلت الكلمة بالصالون كما أعتقد والله أعلم.
لم نشهد مقتله لأنه حيّ بيننا بذكره وقد بشر بذلك في واحدة من أشهر شعره فقال:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصم
فالخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم  
دعوة نيابة عن أساتذتي الأجلاء النوراني الحاج الفاضلابي وبشير عبد الماجد للشباب بزيارة ديوان المتنبي على الأقل مرة كل أسبوع.     

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

eiman hashim
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

sss

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الكاريكاتير