الثلاثاء, 05 مارس 2019 02:57 مساءً 0 86 0
في ذكرى رحليه الثالثة الترابي : سيرة ومسير
في ذكرى رحليه الثالثة   الترابي : سيرة ومسير

    تقرير : الرشيد أحمد

البدايات الأولى
بدأ الدكتور حسن عبدالله الترابي حياته عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين، وأصبح بعد عودته، مُنظّرَها الأول في نهاية ستينات القرن الماضي، قبل أن ينفصل عنها بعد ذلك، مُؤسسًا حزبًا سياسيًا مستقلًا عنها سماه الجبهة الإسلامية القومية.
كما تقلد العديد من المناصب ، حيث عمل أستاذًا في جامعة الخرطوم، ثم عُيّن عميدًا لكلية الحقوق بها، ثم شغل منصب وزير العدل .
وفي عام 1988م عُيّن وزيرًا للخارجية  ، واختير بعدها بثمان سنوات رئيسًا للبرلمان، وظل في هذا المنصب حتى عام 1998م، ليكون الأمين العام للمؤتمر الوطني الحاكم.
كان الترابي أحد أبرز مساعدي الرئيس عمر البشير، خلال الانقلاب العسكري الذي أوصل الأخير إلى سدّة الحكم عام 1989م، حتى نشب خلاف بينه وبين البشير، تطوّر الانشقاق في  الحزب الحاكم المؤتمر الوطني وإنقسم لفسطاطين ( قصر ومنشية ) في أواخر عام 1999م، فخُلع الترابي من مناصبه الرسمية والحزبية، وأسس عام 2001م حزبه الجديد (المؤتمر الشعبي ) الذي إنعطفت عليه غالب قيادات الحركة الإسلامية التأريخية .
أراء مثيرة
تطبيقًا على منهجه الفكري، أصدر الترابي العديد من الفتاوى الدينية المثيرة لجدل واسع بين كافة التيارات الإسلامية  ومن أبرز تلك الفتاوى ، إجازة كل أنواع الفنون، طالما لا تؤدي إلى محظور أخلاقي، داعيًا في سبيل ذلك إلى تصالح جماهير المسلمين مع الفن، الذي يراه وسيلة للإصلاح والتغيير .
كان الترابي أيضًا ممن يرفضون الاعتراف بحد الرّدة حدًا شرعيًا، مُعتبرًا أن تبديل الدين جُزء من حرية الفكر والاعتقاد، وعليه لا تجب المعاقبة عليه، حتى بالقانون
كذلك دعا الترابي إلى حرية المرأة والمساواة بينها وبين الرجل، حتى في أصل الخِلقة. وتطبيقًا عمليًا لأفكاره، كانت «الجبهة الإسلامية» التي يقودها، أول تنظيم إسلامي يقبل الاختلاط بين أعضائه الذكور والإناث.
طالت الترابي قائمة طويلة من الاتهامات، بسبب آرائه الدينية على وجه الخصوص، وأحيانًا إنكار السنة ورد الأحاديث الصحيحة .
إنقلاب التلاميذ
بدأت نزعات التمرد تضيق على الترابي، وتظهر بين تلاميذه في العلن، وبدأت أحلام السلطة تُراود بعضهم، ليكون أوّل من انقلب عليه هو تلاميذه وأتباعه، الذين كانوا من قبل تحت قيادته، وعلى رأس هؤلاء تلميذه علي عثمان محمد طه  ، الذي كان عُضوًا في الجبهة الإسلامية والعشرة الذين وقعوا المذكرة الشهيرة وعلى إثرها  إنقلب البشير على الترابي، بعد أنّ تقدّم طلاب الأخير بمذكرة عُرفت بـ« مذكرة العشرة »، يُطالبون فيها تقليص سلطات الترابي والحد من صلاحياته .
الحوار الوطني
ربط الحوار الوطني بالترابي، جاء من واقع أن الراحل كان من أبرز المؤيدين له، بل كان بمثابة الضامن الأكثر مصداقية لدى الأحزاب والحركات المسلحة التي منحته صكوك ثقتها وأقبلت على الحوار بدون اشتراطات مسبقة رغم إدراكها التام أن الحزب الحاكم اشتهر بنقض العهود والتنكر لها .
بيد أن وجود الدكتور حسن الترابي بما يمثله من ثقل بعث بالاطمئنان في نفوس المشاركين، حيث أقبلوا على قاعة الصداقة ودخلوا في مداولات ماراثونية، وكانوا يأملون أن تقود مساعيهم إلى ما ينشده كل مواطن سوداني، ولكن ما إن تمت مواراة جثمان عراب الحوار ثرى مقابر بري، إلا وتهامس قادة الأحزاب والمراقبون حول مستقبل المؤتمر الشعبي والحوار، وهو الأمر الذي دعا الأمين العام الذي تم انتخابه في ذات أيام العزاء إبراهيم السنوسي إلى التأكيد على استمرار حزبه في الحوار الوطني بذات النهج الذي بدأه الشيخ ، بدعوى أن حزبه ضد حمل السلاح أو إحداث التغيير بالقوة العسكرية، ورغم ذلك التأكيد لم ينس السنوسي وكأنما شكوك قد ساورته أن يضع رسالة في بريد قيادة المؤتمر الوطني، وهو يطالب باتخاذ قرارات شجاعة وجادة لتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، الذي رأى أنه لا سبيل بدونه لمعالجة الأزمات السودانية ..
خطوة مفاجئة
المؤتمر الشعبي، وفي خطوة اعتبرها كثيرون مفاجئة وغير متوقعة، أعلن في فبراير من العام 2014 إنهاء القطيعة مع المؤتمر الوطني التي استمرت خمسة عشر عاماً، وقرر المشاركة في الحوار الوطني، وكثيرون وقتها أكدوا أن الراحل الترابي يريد وضع السودان على المسار الصحيح، وأنه يقف خلف مبادرة الحوار الوطني، وهذا ما أوضحه الأمين العام لحزب النهضة التونسي راشد الغنوشي في حفل توقيع مخرجات الحوار الوطني الذي كشف عن أن الترابي هو من خطّط للحوار، وأنه لم يرحل إلا والسودان يتحاور ويتفاوض ويتساند ويتجه للمستقبل.
رهان الترابي
الترابي الذي كان يراهن على أن الحوار يعد مخرجاً أوحد للبلاد من أزماتها، كان قد أشار في العام 2015 إلى أن قراره الانخراط في الحوار هدفه مناقشة القضايا الملحة، لأن أصول السلطان في الإسلام أن يكون للحريات مدى واسع ، وأن لا يقوم على الجبروت، وأن يكون في المال العام عفة، وأن يكون في وحدة البلد عقد مواطنة وتراضٍ ، وقال ان عودته إلى الحوار مع النظام هدفها إعادة اللحمة بين السودانيين وبين القوى الإسلامية المنقسمة والقوى السياسية الأخرى مع بعضها البعض حتى يعرض على الناخب خيارات محددة، مضيفاً أن تقاربه مع النظام أملته ظروف إقليمية ودولية تمثل خطراً على السودان، وأكد الترابي أن القوى السياسية تتطلع إلى انتقال عفوي وسلمي للسلطة وتسوية المظالم التي وقعت على بعض الأقاليم بطريقة عادلة، وأن الحريات التي تطالب بها القوى السياسية تشمل إطلاق الحريات العامة،ومعالجة القضايا الملحة وعلى رأسها المسائل ذات الصلة بمعاش الناس .
البدر المفقود
الحماس الذي كان مسيطراً على الراحل الشيخ الترابي والتفاؤل الذي كان يملأ جوانحه بأن يقود الحوار الوطني البلاد إلى شاطئ الاستقرار، يبدو أنه لم يصل إلى مبتغاه عقب رحيله، فبعد مرور 24 شهراً على وفاته فإن حزبه يقف على أعتاب أبواب الخروج من حكومة الوفاق الوطني، حيث ترى قيادات فيه أن الشريك الأكبر المؤتمر الوطني نكص على عقبيه ، وبدأ متنكراً لما تعاهدوا عليه بقاعة الصداقة، وقد خاض تلاميذ الترابي من الشعبيين عقب وفاته معارك ضارية ضد الوطنيين لإقناعهم بضرورة إنفاذ مخرجات الحوار الوطني، غير أن معطيات الواقع وما ظل يجهر به قادة الشعبي تؤكد أن ما خطط له شيخهم الراحل لم يجد طريقه إلى أرض الواقع حتى الآن، وهذا ما جعل مساحات الحزن على رحيله تتمدد في الذكرى الثانية، لأنه كان في نظر كثيرين ضامناً قوياً لمضي قطار مخرجات الحوار إلى محطاتها الأخيرة التي ينشدها الشعب السوداني والشعبيون من تلاميذ الترابي الذي بات مثل البدر يفتقد في الليلة الظلماء .
شخصية إستثنائية
نائب الأمين العام للشعبي الدكتور الأمين عبد الرازق قال في حديثه أنه من الذين يعتقدون أن الترابي ذو شخصية إستثنائية مرت على البلاد والعالم الإسلامي وهو أكثر شخص أثراً على الحياة السياسية والإجتماعية والفكرية في البلاد ، موضحاً بتعدد علاقاته بكل ألوان الطيف السياسي السوداني من سياسيين وأكاديميين وشباب وطلاب ، وأنه سوداني أصيل .
وقال الأمين أن الترابي قاد حركة صغيرة وكانت أشبه بالجمعية ولم يكن لديها مستقبل وقدم قبلها إستقالته من جامعة الخرطوم حيث كان وبفضله إستطاعت الوصول للحكم وعملت إنشاء علاقات بكل العالم ، مضيفاً أن الترابي أثر على كل الحركات الإسلامية في العالم وكان له دور في قضايا المرأة والحكم والسياسة وتواصل مع كافة المسلمين وهو مبذول للعالم .
وذكر أن شيخ حسن منتج سوداني أصيل وهو صاحب الإنتاج الفكري الوحيد الذي صدروه للعالم ، وأن إجتهاداته كانت من مكونات البيئة السودانية ، وقال أنه ترك موروث وأختلف حوله كثير من الناس ، وإختلف البعض معه كشخصية ولم يقرأوا فكره وغابت شخصيته وبقي فكره ، ودعا الأمين المختلفين مع الترابي لقراءة أفكاره وعزى هذا لتغيير رأيهم إن فعلوا هذا .
وقال أن الترابي أعلى من قضية التوحيد في كل فكره وكانت زبدة هذا التفسير التوحيدي الذي ألفه ، وقال أن فكره سينتشر بعد وفاته أكثر في العالم وبين أن هذا حدث في الذكرى السنوية له حيث حضر أناس من كل أنحاء العالم وحضروا برنامج الأثر الباقي.
وأضاف أنه شخصية لها أثرها الكبير  وسيظل هذا الأثر باق خاصة في مجال الفقه السياسي لأنه ركز على قضايا العصر وعالج قضايا السياسة والحياة والدولة ووصفه بأنه إمام الفقه السياسي الإسلامي وأول من فتح هذا الباب على مصراعيه وترك فيه أثراً كبيراً وأنزل هذا الفقه على أرض الواقع ، كما أنه لم يفصل بين شخصية المفكر والسياسي ، وجزم الأمين بأن الترابي سيظل يشغل الدنيا لفترات طويلة جداً وسيقود الحياة ، وسيبقى أثره لقرن من الزمان وختم حديثه بآمال منها رؤية مؤسسة الترابي ومدرسته التي تعنى بالفكر قائمة على أرجلها.   

 

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

eiman hashim
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

sss

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الكاريكاتير