الجمعة, 09 مارس 2018 07:22 مساءً 0 1 0
عبد الرحمن الابنودي .. كتب عن الشاعر السوداني جيلي عبـد الرحمن
عبد الرحمن الابنودي ..  كتب عن الشاعر السوداني جيلي عبـد الرحمن

بعد أن انهينا دراستنا الثانوية إنا وأمل دنقل جئنا للقاهرة بدعوة من مركز الفنون الشعبية لنشارك في لقاء شعري دبره لنا الأستاذ توفيق حنا، وكان مدرساً للغة الفرنسية في قنا، وهي المحافظة التي تنتمي إليها قريتنا. ورأي توفيق في ذلك الحين ، وبذل توفيق حنا كل الجهد في لم شمل الأصدقاء والأحباب لسماعنا ، واذكر في تلك الليلة وقد تعرفت فيها إلى ثلاثة أصدقاء رحلوا عن دنيتنا جميعا وظلوا أصدقائي إلى آخر لحظة، هم عبد الفتاح الجمل وجيلي عبد الرحمن، وفاروق منيب. ومن المصادفة أن ثلاثتهم كانوا يعملون بجريدة المساء، وبعد أن انتهت تلك الأمسية الشعرية قرروا الاحتفال بنا. وتجمع حولنا جمهور من شباب الأدباء في ذلك الوقت، وأكلنا وشربنا – لنكتشف بعد ذلك أن مضيفنا كان الشاعر جيلي عبد الرحمن، والذي كان فقيراً جداً في ذلك الوقت، ولكنه اقسم أن لا يمد سعادته الخاصة، وفرحته الخاصة.
ثم غادرنا أنا وأمل إلى قرانا مرة أخرى وعملنا بالمحاكم. ولم نعد إلا في أوائل عام 1962 م، وبحثت في كل القاهرة عن تلك الوجوه التي التقيناها عام 1958 – واكتشفت أن جميعهم في السجون والمعتقلات ، وان الكوليرا السياسية حصدتهم في أول ليلة من عام 1952 ، ولم يكن في القاهرة لحظتها سوي نفس الثلاثي جيلي والجمل ومنيب. ولما كنت قد جئت لأبقى بالقاهرة، فلم يكن لي من عائلة سواه كان يعيش كالجمل بريا لا تتنبأ بلحظات لغضبه أو لسروره، وكان مخيفا لنا جداً.. يحمل قلبه عذوبة أخيك الصغير، ولكنه يملك بطش الأب وصرامته، وهو من الأوائل الذين اعتنوا بجيل الستينيات واعتبروه ونشروا له.
إما منيب فقد كان وجيلي يلعبان لعبه النخلة والظل؛ فلا تعرف أيهما الأصل وأيهما الصورة، عاشا متلازمين، ولم يفرق بينهما إلا المرض والسفر والموت. كانا يحملان نفس الصفات ويغترفان عواطفهما من بئر واحد.
كان كل منهما يعطي الأمان للآخر من خوفه وإحساسه برعب الأيام أو قسوة الحكام، فقد غيبت السجون في ذلك الوقت كل أصدقائهما، فكانا يهيمان في شوارع المدينة يستمع كل منهما للآخر ويخلقان أنسا لم يكن يغنيهما عن الإحساس العميق بالرعب والوحدة في عالم المدينة الواسع، وقد كان جيلي من اكبر (المذعورين) الذين التقيت بهم في حياتي – وكان لخوفه وذعره نبل خاص، ورغم أن الفترة تلك كانت فترة اتهامات قاسية، إلا أن أحدا لم يعتبر ذلك الذعر وذلك الخوف قيمة إنسانية رائعة، قد كان جيلي كذلك.
إن جيلي بطعمه يحمل قدرا عاليا من (الأمومة).. عاطفته العميقة تلك تلخص عواطف الأمهات السودانيات جميعهن.. ولا تحس معه انه السوداني، أو انك مصري، بل هو ابن عمك الذي يسكن حواري عابدين، وتنتقي أشعاره التي تتناثر في ثنايا أقوال كالطيور المذبوحة.
وفي أشعاره لم تكن القضايا الوطنية بالمعنى المتعارف عليه، وإنمأ همسا ذاتيا رقيقا عميقا يقرب لك الأشياء البعيدة ويشركك معه في تنفسها.
لم يكن شعره شعرا بالمعني الكلاسيكي للكلمة، وإنما كان شيئا ما في سلوكه، أو خلجات بدنه، كأنه يعرق ويمسح عرقه بمنديله، الرابض دائما في جيبه مفروداً.
وبقدر ما قرأنا في ذلك الوقت عن لوممبا وجيفارا وكاسترو، وثورات أمريكا اللاتينية، والمد الثوري في العالم في تلك الأيام، إلا     أننا لم نجد من مرت عليه كل هذه الإحداث كالنسائم الطيبة البسيطة التي كانت تتنفسها أشعار جيلي عبد الرحمن.
كان حين يغني حواري عابدين نحس نحن المصريون الغربة في المدينة؛ فقد كان ابناً حقيقيا لحواري القاهرة دون ادعاء مواطنه أو تزلف غرباء.
وبالرغم من أن القاهرة كانت تعج بالشعراء السودانيين في ذلك الوقت، إلا انه لم يحترف الغناء لأفريقيا أو غابات الكاكاو ، كما كنا نري في إشعار الآخرين، وكان صديقه تاج السر الحسن قد رحل الى موسكو في ذلك الوقت. كانت هنالك أصوات أخرى من الشعراء السودانيين، الفيتوري ومحي الدين فارس وحسن صبحي – وكان جيلي يخجل أن يلقي الشعر علي الناس.. كان فقط يهمس لنا به اواخر الليل. كان يبكي كثيرا أحبابه الذين ابتلعتهم السجون وكان معدنه الإنساني من النوع النادر.. تواضعه لا حد له وأدبه لا حد له وتوقه للمعرفة لا حد له.. وغربه جيلي لم تكن غربه سودانيين في القاهرة بقدر ما كانت غربة طفل في هذا الكون المرعب، وعلي العكس كنا نحس أننا الغرباء وأننا لسنا غرباء به في هذه المدينة المعقدة. ولم يكن ذلك إحساس أحسه وحدي، بل أن جيل الستينات في بدايته من قصاصين وشعراء وفنانين وتشكيليين ومؤرخين، هم جيمعا يدينون بالكثير لذلك الحضن الدافئ القادر دائما علي المطابقة بين عواطف الإنسان وعواطف الشاعر بنفس القدر.
وبالرغم من أن جيلي بنظره سطحية كان يبدو كائنا مذعورا، إلا انه في حقيقة الأمر كان محصناً من الداخل بذكائنا وحنكتنا الجنوبية والتي تجعله يلف قماشه علي تكوينه الخاص المحمل بملحوظته الحقيقية ووعيه الخاص

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

شارك وارسل تعليق

برنامج فى الواجهه التلفزيونى

الكاريكاتير

القنوات الفضائية المباشرة