السبت, 30 مارس 2019 03:38 مساءً 0 68 0
أفق بعيد
أفق بعيد

وهم حوار الحضارات

تستند حقائق التاريخ على أوضاع السياسة والاقتصاد والتوسع العسكري والتجاري، كما أنها تستند على الدوافع البشرية للحراك ومحاولة الاستحواذ للمزيد من السلطة والثروة، وفقا لخطوط اللعبة الإستراتيجية الكبرى.

عليه؛ فيمكننا ببساطة القول أن هنالك حقائق تظل ثابتة عبر مسيرة الحضارة، مع كون الكثير من تفاصيل التاريخ هي ظنون وحدس حسب ويل ديورانت في كتابه قصة الحضارة، لكن مع ذلك يمكننا دائما وضع الخطوط العامة لمحاولة بناء هيكل للفهم ووضع بعض الضوء على أحداث العالم، حسب هـ.ج. ويلز في كتابه معالم تاريخ الإنسانية.

وبغض النظر عن كون تلك الحقائق مؤلمة أو مخيفة أو أننا قد نشعر بالذعر وعدم الارتياح تجاهها، لأسباب كثيرة منها طبيعة البشر القائمة على حب ما هو مألوف وظاهر وقابل للإحتواء، أما الحقيقة فكلما كانت مجهولة، كلما كانت أدعى للفزع.

عبر التاريخ الإستراتيجي والصراع في منطقة الشرق الأوسط، يمكننا استلهام الكثير من أحداث العالم اليوم، وتأتي حادثة مسجد النور في نيوزيلندا، وهي إن كانت تبدو عابرة لمجريات الأحداث اليوم، في ظل توتر عالمي، وممارسة للعبة الإستراتيجية وفق ضوابط المصلحة، لكن؛ الحقيقة هي أعمق مما نتصور، إذ تظل ثنائية (الشرق/الغرب) قائمة في أصل الإعتداء، والمهاجم بالطبع مشحون بإرث ثقيل: تاريخي، وديني، وعسكري، وسياسي، وهو يرى أن هؤلاء (المسلمون) هم الطرف الآخر الذي هو عبر التاريخ الإستراتيجي (العدو) الأساسي (للغرب)، الغرب المتهاوي من داخله حسب أسوالد اشبنغلر في كتابه العميق تدهور الحضارة الغربية.

وبغض النظر عن وجهات النظر هاهنا، ومحاولة التقريب والحوار، وهي قديمة بالطبع، من أيام الخليفة هارون الرشيد في بغداد والملك شارلمان في اكس لاشابل بألمانيا اليوم، ومن أيام جورج الخامس ملك النرويج وهشام الثالث في قرطبة أيام حضارة الإسلام بالأندلس، وعبر نقاط التواصل بين الحكم الفاطمي في مصر وصقلية أيام فريدريك الثاني، ثمة نقاط طويلة للتلاقي ومحاولة الحوار عبر التاريخ ما بين الشرق والغرب، لكن في الحقيقة كلها تتحطم تحت الأهداف الإستراتيحية العليا: العسكرية، والدينية، والسياسية، والإقتصادية، والهدف الأخير كان مهما أيام الاستعمار البريطاني الحديث للمنطقة، كذلك أيام الحروب الصليبية على بلاد الإسلام في حوالي الألف الأول بعد ميلاد المسيح عليه وعلى نبينا محمد أزكى صلاة وسلام، الحرب التي شاركت فيها فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، كل هذا التطور التاريخي وصولا إلى عالم اليوم هو إشارة واضحة إلى ما يكون حقيقة تاريخية منطقية غير قابلة للجدل، هي أن: الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا أبدا، واللقاء يكون دائما على النفوذ والمصالح الكبرى:  الدينية، والسياسية، والعسكرية، والإقتصادية، وبغض النظر عن القبول أو الرفض للمبدأ الآنف، لكن تبقى أحداث العالم اليوم والصراع الهائل بين (الإسلام/والغرب) حقيقة كونية لا تحتاج إلى نقاش، وحتى في حالة عدم وجود مواجهة عسكرية مباشرة، ستكون المواجهة فكرية وثقافية، لأن كل كتلة (الشرق) (الغرب) هي على النقيض التام من الأخرى، في الرؤية والثقافة، وفلسفة التعامل مع الوجود والعالم، وكل طرف يمارس نوعا من الإزاحة الكونية، ناعمة أو خشنة، لكسب المزيد من الوقت الإستراتيجي.

هناك ناس طيبون في العالم، من الشرق والغرب، ويرغبون في عالم جميل يعمه السلام والحب، يوتوبيا جميلة مثل تلك عند الفارابي أو توماس مور، مثل أصدقائي الغربيين في تويتر الذين يرسلون لي تحية الصباح أو المساء، من نيويورك أو تورنتو أو لندن، ويتبادلون معي الكتب الإلكترونية في الشعر والفن، وقد يكون مؤلما للبعض أن الأحلام والمشاعر شيء، والحقائق على الأرض والتحرك البشري شيء آخر، وقد تكون رئيسة وزراء نيوزيلندا صادقة في مشاعرها، ونحن نقدر هذا، لكن المسألة أكبر من مجرد رجل يحمل السلام ويقتل الناس على الهواء مباشرة، فالإرث بين الحضارتين عميق جدا، وهو يؤثر على حاضر العالم ومستقبله، والتعايش أن الصراع بيننا موجود حتى على مستوى الأفكار هو أفضل من محاولة الإختباء والمجاملة الدولية.

هنالك لحظة حاسمة وهي ستأتي يوما ما.       

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

eiman hashim
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

sss

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الكاريكاتير