السبت, 30 مارس 2019 03:48 مساءً 0 100 0
بطاقة
بطاقة

بين الوسوسة والصلصة

محمد مبروك محمد احمد

يقول لي بعض الاصدقاء إن اهتمامي بالشاعر المتنبي فاق حد المعقول وبعضهم يعارضني في هذه العلاقة مع الشاعر المتنبي ويعترفون له بالفضل في نبوغه الشعري المتنوع الذي تغلب عليه الحكمة والفخر والاعتداد بالنفس والمدح والهجاء وهو لا يخلو من الغزل والرثاء لكنه كما قال مجلس سيف الدولة بن حمدان أن الشاعر يصرف قصائده للفخر بنفسه ويجود على ممدوحه ببيت أو بيتين كما فعل مع سيف الدولة نفسه عندما أتاه معتذراً والقصيدة مشهورة ومن اشهر ابياتها بيت يردده الكثيرون في مناسبات الوداع رغم أن موقعه من القصيدة جاء في إطار تلطيف الجو بين الشاعر والأمير ويقول فيه:

يا من يعزّ علينا أن نفارقهم

وجداننا كل شئ بعدكم عدم

وإقتباسه في مواقف الوداع ممكن ومناسب .

وموضوعنا اليوم عن الاختلاف الذي يدور حول أيهما ابلغ في التشبيه حول صلصلة الحلي أو وسوستها بينه والجاهلي الاعشي صاحب هريرة وقصيدة الاعشي من المشهور في الشعر العربي ويدور حولها حديث كثير حتى في مقاييس الجمال الذي تختلف فيه العصور والمجتمعات يقول الأعشي :

ودع هريرة فإن الركب مرتحل

وهل تطيق وداعاً ايها الرجل

غراء فرعاء مصقول عوارضها

تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل

كأن مِشيتها من بيت جارتها

مرّ السحابة لا ريث ولا عجل

وتسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت

كما استعان بريح عشرق زجل

والتشبيه هنا لوسوسة الحلي في يديها عندما تنقلب من جنبها الايسر للايمن كما قال البروفسيور عبد الله الطيب رحمه الله فقال انصرفت لا تعني ذهبت وإنما تعني انقلبت على فراشها وقال ربما يعني بالنبات الذي يحدث الوسوسة التي تشبهها وسوسة الحلى نبات (السنامكة) وهو نبات يعرفه أغلب سكان السودان والمقارنة بين بيت الاعشي والمتنبي في تشبيه الحلي في ايدي النساء الجميلات والحلي تزيد الجميلة جمالاً ولكنها لا تجعل غيرها جميلة وطرفة صديقنا عندما رأي غير الجميلة تبالغ في لبس الحلي قال: (هذأ اللبس للحلي زيادة قروش) المتنبي قال في نفس المعنى في قصيدته شعب بوان التي نظمها في طريقة إلى شيراز بدعوة من أميرها يقول :

مغاني الشعب طيب في المغاني

بمنزلة الربيع من الزمان

ولكن الفتى العربي فيها

غريب الوجه واليد واللسان

طبت فرساننا والخيل حتى

خشيت وإن كرمن من الحران

إلى أن يقول:

وأمواه تصل بها حصاها

صليل الحلي في أيدي الغواني

الغواني المفرد منها غانية وهي المرأة شديدة الجمال حتى لا يذهب بعض الناس إلى بعض المعاني الأخرى .

المتنبي جمع الماء على أمواه ولو استعمل بدلها كلمة مياه وهي أيضاً لجمع معروف ومشهور لجمع الماء لفقد البيت الشعري موسيقاه ووزنه ولطف دلالته وبينما استعمل الاعشي  لصوت الحلى الوسوسة أختار المتنبي الصلصة والمتنبي خالف الاعشي لجعله الصفة قوية في حلي الغواني وجعل صليل الحصى في الماء مشبهاً بما في الحلي والاعشي فعل عكس المتنبي .

أحمد بن الحسين الكوفي الجعفي المكني بابي الطيب الملقب بالمتنبي ظل شاعر كل حقبة من حقب الأدب وهو مدرسة خاصة في الشعر وسيظل وقال عنه الشاعر المثير للجدل نزار قباني من لا يعرف المتنبي يجهل الشعر والأدب أو أنه قال الجاهل من لا يعرف المتنبي .                     

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

eiman hashim
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

sss

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الكاريكاتير