الاربعاء, 08 مايو 2019 11:05 صباحًا 0 214 0
من أين نبدأ الإصلاح الاقتصادي؟ (2)
من أين نبدأ الإصلاح الاقتصادي؟ (2)

د. صدقي كبلو يكتب عبر (أخبار اليوم)

الإصلاح الزراعي
كلنا متفقون أن الزراعة هي العمود الفقري للاقتصاد السوداني، لذا لابد من إجراءات للإصلاح الزراعي تشمل أربعة قطاعات مهمة: المروي، المطري، شبه الآلي، والمطري لصغار المزارعين وقطاع الثروة الحيوانية، هذه الإجراءات الإصلاحية تعتمد قضايا علاقات الإنتاج بما في ذلك قضايا الأرض والإدارة والعقود والعمالة وقضايا التمويل المباشر من الدولة والمصرفي والتعاقدي والقضايا التقنية التي تتعلق بالري والبحوث الزراعية وتقنيات الزراعة الحديثة والإرشاد الزراعي والإرشاد البيطري والتطعيم والتسمين والإعداد للاستهلاك المحلي وللتصدير. جميع هذه القضايا لا تنفع فيها القرارات الفوقية بل يجب أن ترتكز على اتفاق واضح بين الحكومة الانتقالية وممثلي المزارعين والإدارات والكوادر المهنية والفنية المختصة ووزارات الزراعة والري والصناعة والتجارة والمالية والبنك المركزي.
الزراعة المروية
تنقسم الزراعة المروية لأربعة قطاعات فرعية: الري من النيل والأنهار، سواء كان رياً انسيابياً أو رياً بالطلمبات، هذان قطاعان فرعيان لهما قضاياهما المختلفة، والري بالفيضان ومن الخيران ومن حصاد المياه والري من المياه الجوفية، والاختلاف في نظم الري يشكل أساساً لاختلافات في نظم الإدارة وعلاقات الإنتاج واقتصاديات الإنتاج خاصة من خلال تكلفة وتحديد مواعيد العمليات الزراعية ونوعها. والقضية الأساسية هي كيفية تحسين سبل الري بإصلاح النظم الموجودة وبإدخال نظم جديدة كالري المحوري والري بالتنقيط وإدخال الطاقة الشمسية كمصدر لإدارة الطلمبات والمحاور بدلاً من الجازولين والشبكة القومية للكهرباء لتقليل التكلفة الاقتصادية وزيادة كفاءة الري ولابد أن يلعب المهنيون والفنيون في مجال الري والزراعة والطاقة الشمسية دوراً متقدماً في هذه النقلة.
هناك أشكال مختلفة لتنظيم الزراعة المروية وفقاً لعلاقات الإنتاج ولكن هذا لا يمكن فرضه على المنتجين من مزارعين وعمال زراعيين وهي تتراوح بين ملكية الدولة، الشراكة، التعاقد أو المزارعة، التعاون، الزراعة الرأس مالية الخاصة وغيرها من الأشكال. وتبدو هذه المسألة مهمة بشكل خاص في مشاريع الري الكبيرة كالجزيرة والرهد والسوكي وحلفا الجديدة والنيلين الأبيض والأزرق وبعض مشاريع الشمالية. الشكل المناسب الذي يرضاه المزارعون والمنتجون هو الذي سيزيد الإنتاج والإنتاجية وتنظيم هذه المشاريع يتأثر بشكل مباشر بشكل ملكية وحيازة الأرض فالأرض المملوكة ملكية عامة للدولة يحق للدولة أن تقرر كيف استثمارها: بالعمل المباشر، بالإيجار، بالشراكة أو أي شكل من أشكال التعاقد ولكن في كل ذلك تتعلق العلاقة بمن يسيطر على الري وينظمه ويديره وتتعلق بالتمويل وبتوفير المدخلات وبتوفير الآليات الزراعية للقيام بالعمليات الزراعية الأساسية، وما إذا كان شكل المشاريع يسمح بتنظيم يستفيد من اقتصاد الوحدات الكبيرة خاصة في استعمال الآليات في الحرث والبذر والرش ومحاربة الحشائش والحصاد.
 تنظيم الزراعة المروية يعبر عن علاقات اجتماعية وتقنية واقتصادية؛ لذا هي مسألة معقدة ولكن من المهم حلها خلال الفترة الانتقالية حيث السلطة قومية وحيث التأسيس للديمقراطية حيث يمكن تسوية المسائل على أسس ديمقراطية وعلى أساس توافق يكون للمنتجين دور أكبر فيه.
مسألة ملكية وحيازة الأراضي تشكل مسألة جوهرية في الري بالفيضان والخيران وحصاد المياه، وهناك حقوق تاريخية للسكان المحليين يجب مراعاتها ومساعدة السكان المحليين بالتمويل والإرشاد الزراعي وبتطوير مسائل الري من حصاد للمياه والتحكم في الفيضانات وصيانة مجاري الوديان والخيران وتطوير البحوث الزراعية للوصول لحزم تقنية ترفع الإنتاج والإنتاجية، وقد يكون من المفيد النظر في تجميع المزارعين الصغار في جمعيات تعاونية قد تمتد من إدارة التمويل والعمليات الإنتاجية حتى التسويق، وقد تختص بقضية من تلك القضايا والأساس للوصول للشكل الملائم يستند على الإرادة الشعبية وعلى ترسيخ وتطوير سبل كسب العيش المستدامة وصيانة الموارد الطبيعية وتمكين المجتمعات المحلية لمواجهة كافة عناصر الخطر والتقلبات الطبيعية.
قضية الزراعة باستخدام المياه الجوفية تحتاج لوقفة لتقويمها خاصة فيما يتعلق بتخصيص الأراضي لمستثمرين ودول أجنبية، خاصة فيما يتعلق بجدوى الاستثمار اقتصادياً من منظور وطني: هل يصح أن نستهلك المخزون الجوفي للمياه لمصلحة أجنبية دون أن يعود ذلك بعائد ملموس على الاقتصاد الوطني؟ وما هو حجم المخزون الجوفي للمياه وما هي الطرق المثلى لاستغلاله؟ هذه مسائل تحتاج لدراسة تفصيلية ولكن ينبغي تحت كل الظروف إعطاء الأولوية في الاستثمار للمجتمعات المحلية ولقطاع الدولة وللرأس مالية السودانية. الاستثمار الأجنبي في الزراعة حتى الآن مردوده سلبي على الاقتصاد الوطني مهما كان مربحاً للمستثمرين الأجانب.
القضايا المتعلقة بعلاقات الإنتاج وتنظيم المشاريع الزراعية المروية تبدأ بإصلاحات قانونية وإدارية:
• إلغاء قانون الجزيرة لعام 2005 والعودة لقانون 1984 بشكل مؤقت حتى يجرى الحوار بين المنتجين والدولة والفنيين.
• يتطلب الحوار وجود أجسام ديمقراطية تمثل المزارعين مما يعني إلغاء قانون 2011 لتنظيمات المنتجين والعودة للقوانين التي تسمح بتكوين اتحادات المزارعين.
• حل مجالس إدارات المؤسسات الزراعية وتكوين مجالس إدارات جديدة من أكفاء وممثلين للمنتجين والعاملين بالمشاريع.
• تكوين لجان تحقيق حول التخريب بالقطاع الزراعي المروي خاصة مشروع الجزيرة ونهب الممتلكات العامة والأصول وتقديم المتهمين لمحاكمات عادلة.
• تكوين أجسام للحوار (لجان مشتركة بين المزارعين والدولة) بهدف وضع أسس لعلاقات إنتاج عادلة تسهم في تطوير الإنتاج.
الحكومة الانتقالية مطالبة بأن تتخذ قرارات فورية حول قضايا التمويل والري والأسعار ومدخلات الإنتاج والإرشاد الزراعي والبحوث الزراعية وإنتاج البذور المحسنة. ففي مجال التمويل وحتى تحسم قضايا علاقات الإنتاج في المستقبل لابد من التأكد من توفير خيارات تمويلية متعددة لا تضع الموارع موضع المجبر على قبول هذه الصيغة أو تلك أو هذا السعر للمدخلات من سماد وكيماويات، مما يتطلب وجود التمويل المناسب من الدولة ومؤسساتها (البنك المركزي عبر وزارة المالية وإدارة المشروع).
هناك بعض الإجراءات التي لن تظهر نتائجها فوراً في الموسم الزراعي ولكن ينبغي اتخاذ القرارات حولها مثل إصلاح نظم الري وصيانتها وتطويرها ووضع خطة زمنية محددة لتنفيذها ولعل من أهم القرارات في هذا المجال أيلولة تنظيم وإدارة وصيانة الري وتطويره لوزارة الري ومؤسساتها المختصة والتي يجب أن تبث فيها الحياة بتأهيلها وتحسين إداراتها.
هذا صحيح فيما يتعلق بالبحوث الزراعية على مستوى المركز وعلى مستوى كل مشروع على حدة، وتطوير البحوث الزراعية يفتح المجال لتطوير  إدارات إكثار البذور وتوفير البذور المطورة محلياً وبأسعار معقولة للمزارعين.
القطاع المطري
ينقسم هذا القطاع لقطاع مطري شبه آلي تسيطر عليه الرأس مالية الزراعية المحلية والأجنبية وهو يمتد عبر السهل الطيني الأوسط من القضارف حتى الجنينة (أم سيننات وسمسم،  واقدي والدمازين، والمقينص وهبيلا وأم عجاح وهبيلا الثانية) إلى جانب مشروع جبال النوبة الزراعي ومشروع جنوب السافنا واللذين رفعت الدول يدها عن تمويلهم وإدارتهم.
كان لحل مؤسسة الزراعة الآلية أثر واضح في تفاقم مشكلات هذا القطاع، فالمؤسسة كانت تعتبر المظلة التمويلية والفنية التي تطورت تحتها الزراعة الآلية فهي منسق التمويل الأجنبي والمحلي (مع البنك الزراعي) والضامن لجودة الآليات الزراعية وتوفرها عبر البيع بالتقسيط وصيانتها في ورش المؤسسة وتوفير المدخلات الأخرى مع سلطات الدولة والبنك الزراعي وكانت تعتبر المرشد الزراعي لهذا القطاع، كل ذلك يتطلب العودة الفورية لمؤسسة الزراعة الآلية.
كانت البحوث الزراعية وإكثار البذور تلعبان دوراً كبيراً في تطوير البذور والتقانات لهذا القطاع وكانت الزراعة المطرية لصغار المزارعين تستفيد من نتائج البحوث خاصة في تطوير زراعة أنواع الذرة المختلفة.
مشاريع جبال النوبة الزراعية وجنوب السافنا كانت في جوهرها منذ السبعينيات مشاريع لتحديث الزراعة التقليدية عبر إدخال وسائل إنتاج جديدة وتقانات جديدة، وقد تعثر المشروعان بإهمال الحكومة تحت نظام الإسلام السياسي للرأس مالية الطفيلية ولنشوب الحرب في مناطق المشروعين، خاصة مشروع جبال النوبة ورغم اتخاذ قرار قبل عامين من والي جنوب كردفان الأسبق بإعادة المؤسسة إلا أن الأمر يحتاج لعزم وتمويل وتوجه سياسي ضد التنمية غير المتوازنة.
القطاع المطري المسمى (تقليدي) ما زال هو القطاع الأكبر من ناحية تشغيل السكان ويسهم في إنتاج الذرة والدخن والحبوب الزيتية والكركدي والصمغ، ولكنه يعاني من مشكلات ضخمة أهمها الزحف الصحراوي وتعدد مواسم الجفاف التي تقل فيها الأمطار عن المتوسط، وهذا يضع مسألة الإصلاح البيئي وإعادة تعمير الغطاء الغابي والنباتي في مقدمة أجندة الحفاظ على هذا القطاع وتطويره. كما يتطلب أيضاً الاهتمام  السريع  بالبحوث الزراعية وإكثار البذور لتجديد البذور المستعملة في الزراعة خاصة في الحبوب الزيتية وتطوير أنواع من البذور تقاوم الجفاف وتحسن نوعية المنتج. وستظهر نتائج مثل هذه الإصلاحات على المدى المتوسط والطويل.
ولكن ما يحتاجه المزارع الصغير في القطاع المطري هو التمويل وتعديل أنظمته وأن يرتبط بالحكومات المحلية والجمعيات التعاونية بالتعاون مع البنك الزراعي ومنظمات التمويل الصغير ويرتبط ذلك بإصلاح نظم التسويق (ربما العودة لشكل من أشكال شركة الحبوب الزيتية أو اتحاد تعاوني يجمع صغار المزارعين) وذلك اعتماداً على تجارب معاناة المزارعين من اتفاق تجار المحاصيل ومحدودية دور البنك الزراعي في الشراء، بدون إصلاح أدوات التسويق يصبح الإعلان الموسمي عن الأسعار التشجيعية لا معنى له.
إعادة تعمير حزام الصمغ العربي أمر مهم للغاية لأسباب اقتصادية مباشرة حول زيادة الإنتاج من الصمغ العربي  وبالتالي زيادة صادراته وتأثير  ذلك على الميزان التجاري، أما السبب الثاني فهو بيئي حيث يشكل حزام الصمغ العربي أحد أهم مصدات الرياح ووقف الزحف الصحراوي. وهذا يتطلب وجود قسم متخصص في  مصلحة الغابات يكون عمله المباشر هو التخطيط والتنسيق وتنفيذ إعادة تعمير حزام الصمغ العربي.
الثروة الحيوانية
يظل قطاع الثروة الحيوانية يواجه خمس قضايا مهمة لنقله من قطاع تقليدي لقطاع اقتصادي حديث:
القضية الأساسية هي قضية غذاء وتسمين الحيوان، وهل تعتمد على المرعى الطبيعي الذي تقطع الوحدة الحيوانية الأميال للحصول عليه أم يتم النقل تدريجياً لمزارع التسمين وتوفير العلف الزراعي والصناعي. هذه ليست قضية تقنية فقط بل هي قضية اجتماعية اقتصادية معقدة؛ لذا ينبغي أن نبدأ بتشجيع القطاع الحديث في الإنتاج الحيواني وإعطائه امتيازات تشجعه على ولوج هذا المجال مثل الأراضي لإنتاج العلف الزراعي والإعفاءات الضريبية الضرورية وتسهيل توفير الطاقة (الشمسية) لتحفيز استعمال المياه الجوفية لتطوير قطاع محلي للإنتاج الحيواني الحديث.
أما القضية الثانية فهي قضية صحة الحيوان، خاصة أننا كنا قد حققنا منذ منتصف السبعينيات خلو السودان من بعض أمراض الحيوان كالطاعون البقري؛ ولكن تدهور الخدمات الطبية البيطرية وعدم الاهتمام بصحة الحيوان جعلنا متهمين من عدد من الدول المستوردة بوجود أمراض. لا بديل أمامنا سوى تطوير الخدمات البيطرية والعودة لنظم التطعيم والتحصين والاستفادة من التطور الذي حدث في العالم. هذا يعني العودة لتعمير وتطوير المعامل والبحوث البيطرية وإقامة فروع متخصصة لها بالأقاليم المنتجة. وهذا أيضاً يتطلب استيعاب خريجي كليات البيطرة والإنتاج الحيواني وتدريبهم بالقيام بواجباتهم في البحوث وصيانة الثروة الحيوانية.
القضية الثالثة هي قضية النقل وهذا يتطلب إعادة مشروع طريق الماشية وتأهيل السكك لنقل الماشية وتطوير النقل يساهم في تحسين نوع اللحوم الواردة للمدن وللصادر.
القضية الرابعة هي تطوير تصنيع منتجات الثروة الحيوانية من منتجات الألبان وحتى منتجات اللحوم والجلود وهذا يرفع القيمة المضافة للثروة الحيوانية ومنتجاتها ويزيد العائد منها من النقد الأجنبي كما توفر نقداً أجنبياً بخلق بدائل واردات مثل منتجات الألبان والجلود وغيرها.
القضية الخامسة هي قضية التسويق والتصدير والتي تحتاج للتطوير معتمدة على حل القضايا الأربع أعلاه وعلى تطوير التصدير من الحيوانات الحية للمنتجات الحيوانية من منتجات ألبان ولحوم.

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

eiman hashim
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

sss

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الكاريكاتير