الاربعاء, 24 يوليو 2019 01:31 مساءً 0 146 0
قرية الأطفال حكايات بطعم الدم!!
قرية الأطفال حكايات بطعم الدم!!

تحقيق: حنان الطيب

رحلة متمرحلة تمثل حياة لأطفال داخل قرية الأطفال النموذجية الصديقة (اس ،أو، اس) بالخرطوم وقصص عن فئة قد تكون معزولة عن العالم لظروف ليس لهم دخل فيها ولا ذنب ارتكبوه سوى أنهم وجدوا أنفسهم في ذلك المكان، يدفعون فاتورة لا تعنيهم بشيء ويواجهون صعوبات ومشكلات جمة لا ذنب لهم فيها، فهم لم يختاروا الطريقة التي أتوا بها للحياة، هذا المكان يحوي حكايات وقصص لا تخطر على بال أحد. الرحلة تبدأ من دار رعاية الطفل بالمايقوما كمحطة أولى ومن ثم يتم تحويل الطفل إلى القرية الصديقة للأطفال حيث يتم دمج كل طفل مع أسرة جديدة وأم بيولوجية وإخوة من نفس الظروف بصورة قصد منها أن تكون طبيعية حيث يوجد عدد من الأمهات يقمن بهذا الدور لـ(101) طفل يقطنون بتلك القرية، ومدير القرية يمثل الأب لكل الأطفال، حيث يتم استقبال الطفل القادم من المايقوما توطئة لدمجه مع أم و(18) من الإخوة ليكونوا أسرة ومن هنا تبدأ أولى خطوات الدمج. وما أن يبلغ الطفل سن الرابعة عشر حتى تتم تهيئته مرة أخرى للعيش في بيوت الشباب والتي تكون داخل الأحياء السكنية، وفي كل مرحلة من هذه المراحل هناك محطات عدة في حياة الطفل.
ساعات قضتها (أخبار اليوم) داخل القرية وخرجت بتفاصيل حياة لفئة تحتاج لدعم المجتمع وتغيير النظرة السالبة والدونية تجاههم  فإلى مضابط التحقيق.

ابتعدن عني
بداية جلست إلى الشابة فائزة محمد آدم  تحدثت بكل أريحية وبساطة وحكت بكل شجاعة أنها إحدى شابات القرية وتفتخر بأمها التي تربت في كنفها و18 أخاً جمعتهم الظروف، تقول: تربيت مع أم أصيلة اعتبرها الداعم الأساسي لي ولكل الأطفال، وتضيف: دائماً كنت أعود من المدرسة وأنا أبكي وأشكو لها من المضايقات التي توجه لي باعتباري  طفلة من  هذا المكان، ولكنها تخفف عليّ كثيراً بجانب دور  الباحثين الاجتماعيين. ولم تخف المراحل الأليمة التي مرت بها في مسيرة حياتها واندماجها مع المجتمع وتقول: مررت بكل المراحل من عدم تقبل المجتمع لي سواء في المدارس أو غيرها، وتشير إلى وجود زميلات دراسة ابتعدن عنها بعد أن عرفن بحقيقتها، وهناك من أجهشن بالبكاء. وتتابع: كنت أقول لهن إنني لا أحتاج للبكاء، وكانت الصدمة الكبرى بعد دخولي للجامعة حيث كونا قروب به سبع من الشابات وستة من الشباب فقررنا أن نتواصل أسرياً، وعندما أتى دوري وأخبرتهم بمكان سكني وأصلي ابتعدت عني خمس من الصديقات  فيما احتفظ كل الشباب بصداقتنا.
وتقول بأسى: في الحقيقة المجتمع لا يتقبل ذلك بين يوم وليلة؛ فالأمر يحتاج لقوة شخصية.
وقالت إنها تعمل حالياً في إدارة بيوت الشباب منذ عام 2000م،  وحتى الآن تزوج 18 شاباً خمسة من داخل القرية و13 من المجتمع الخارجي.
تجارب لأمهات
من داخل القرية كان لابد من الاستماع لتجارب الأمهات اللاتي وهبن حياتهن لخدمة هذه الشريحة، قالت الأم ماريا التي تعمل في القرية منذ ستة وعشرين عاماً استطاعت من خلالها أن تربي عدداً من الأبناء: يأتي الأطفال من المايقوما بأعمار مختلفة وفي بعض الأحيان أربعين يوماً وآخرون في عمر الثلاث سنوات، وتؤكد أن أي طفل يجد الرعاية والعناية الكافية بدون معاناة إلا إن كان هناك ازدحام بدار المايقوما حيث يصدف أن  يتم جلب ثلاثة أطفال في آن واحد، وتحمد الله على مقدرتهم على تحمل الأطفال، وتؤكد أنها تتعامل مع كل الأطفال بطريقة واحدة ومتساوية بدون تمييز وإذا شعرت بأنها تحب أحدهم دون البقية هنا تتدخل الباحثات الاجتماعيات بضرورة الحب المتساوي بين كل الأبناء، وتشير إلى أن  طباع الأطفال تختلف فهناك المشاكس والعنيد وهناك من يسرق ولكن كل ذلك يتم تجاوزه عبر الباحثة الاجتماعية، وتقول: يتربى الطفل حتى عمر الرابعة عشر حيث يتم تحويله إلى بيوت الشباب وحتى تلك المرحلة أكون أنا متابعة معهم، وهم لا ينسوننا فالمسألة ليست ولادة بل تربية، وأوضحت أنها تتعامل معهم كأم طبيعية رغم أنها غير متزوجة، وأضافت أنها لا تقوم بضربهم لأن الضرب لا يولد سوى المشكلات والعناد والحقد.
يواجهون مشكلات
وتنتقل الأم ماريا للحديث عن مرحلة أخرى من حياة الأطفال، وأوضحت أنه عند خروج الأطفال من القرية للمدرسة واختلاطهم بالأطفال الآخرين  يواجهون بكثير من الأسئلة والشكاوى لوضعهم الخاص، وبدوري أكون مستعدة  للرد على كل تساؤلاتهم، وأوضح لهم أنهم أطفال القرية وليس لهم أي ذنب، وإذا واجهتهم أي إشكالية عليهم أن يقابلوها بالحقيقة، وكلهم يعلمون جيداً من أين أتوا، فهناك من لا يتقبل وهناك من يتقبل الأمر، ولكن نعالج ذلك عبر الباحثة النفسية، وطبيعي أن يدخل الطفل في حالة نفسية، وتضيف: أستطيع حل جميع الإشكاليات التي تواجه أطفالي ولكن إذا صعب عليّ الأمر أوجههم إلى والدهم وهو مدير القرية.
ولم تستطع أم ثانية إكمال حديثها عندما أجهشت بالبكاء وقالت: عملت لسنوات طويلة مع الأطفال واعتبرهم أطفالي، وتضيف أنها استطاعت أن توصل عدد منهم  للجامعة وآخرين مازالوا في المدرسة،  وقد وفقني الله في أن تصل إحدى بناتي للجامعة  وأخرى ستجلس لامتحان الشهادة،  وتقول إن طباع الأطفال تختلف ففيهم المسالم وفيهم المشاكس. بدأت الأم آسيا الأمين عبد النبي حديثها وهي تمسح دموعها لتحكي عن تجربتها مع الأطفال: الحمد لله رغم أنني غير متزوجة ولكن تذوقت طعم الأمومة مع هؤلاء الأطفال وربيت 13طفلاً وحالياً لدي ثلاث بنات استطعت تزويج اثنتين منهن.
وشكت الأم الدر التي عملت بالدار لأكثر من أربعة عشر عاماً من عدم تقبل  المجتمع لهؤلاء الأطفال.
ولم تخف أخرى حاجتهم لمزيد من الأساتذة المتطوعين للمساعدة في استذكار الدروس للأطفال.    
المجتمع والأقران
في جانب التعليم يقول الأستاذ عبد الرحمن عبد الله إن الأطفال يجدون كل الدعم من حيث الزي المدرسي وتوفير الأدوات، وجزء منهم في مدارس خاصة ولا ينقصهم شيء ولكن الإشكالية أن المجتمع لأنه لا يتقبلهم، وفي كثير من الأحيان نحرص عند تسجيلهم في المدارس أن تكون سرية المعلومة بيننا وإدارة المدرسة بأن لا يعرف بقية زملائه أنه قادم من القرية، لأنه قد يسأل بمجرد اقترانه مع أقرانه وقد ينمو إليه إحساس غير طيب ومع تعامل أقرانه له أو المجتمع،  وهذا قد يولد لدى الطفل عدم الدافعية وتصبح معضلة في عدم تقديره لذاته وعدم توفيقه فيحدث تأخر دراسي، ويقول: نستعين في الكثير من الأحيان بمعلمين ولدينا فصول داخل القرية ونقوم بعمل إسناد أكاديمي من الصف الأول حتى الصف الثاني ثانوي، وأكون مشرفاً عليهم ولدينا متطوعون أيضاً لمساعدة الأطفال.
تدريجيا ً
وفيما يتعلق بالعمر المناسب لتعريف الطفل بحقيقته والتعامل مع الأطفال داخل القرية تقول الاختصاصية الاجتماعية عواطف  محمد الطاهر التي تعمل منذ (19) عاماً بالقرية:  العمر الأنسب هو  عمر الخمس سنوات باعتبار أن شخصية الطفل وتكوينه يبدأ في هذا السن، حيث نبدأ في توصيل المعلومة بالتدريج عن طريق الأم بأنه طفل المايقوما دون أي تفاصيل أخرى ومن ثم التدرج بأن تخبره الأم بأنها ليست أمه الحقيقية بل تقوم بتربيته فقط دون إخباره بأنه مجهول الأبوين، وقد يسأل بعض الأسئلة فتقوم بالرد عليها وإذا استعصى الأمر في+ بعض الأسئلة هنا يكون تدخلنا ونثبت له معلومة أننا أتينا بك من المايقوما، أما الأكبر سناً فنجلس معهم كمجموعة مع الباحثات الاجتماعيات ونتناقش معهم ثم نحاول أن نرد على الأسئلة،  وهناك من يتقبلون الأمر على حسب ما وجده من الأم، وهناك أطفال  يتأثرون بالمعلومة، وآخرون يصمتون وهذا يعني أن هناك حاجة   لجلسة منفردة،  وهكذا نقوم بتنظيم زيارة إلى المايقوما وبعد عودتهم يبدءون في المقارنة ويرون أن واقعهم هنا أفضل.
وأكدت على أهمية تغطية الجزء الخاص بوجود الصدمات من خلال العمل النفسي والاجتماعي وأن تكون الأم متدربة على كيفية توصيل المعلومة للطفل، وتشير لوجود بعض الإشكاليات النفسية مثل القلق والاكتئاب والتبول اللاإرادي ويكون مردها لاصطدامه في المدرسة بألفاظ  (ود القرية) أو عند رؤية العربة التي تقلهم (هذه عربة الأطفال الكذا) وتقول: كانت تأتينا مثل هذه الصدمات ولكننا نخبر الأطفال بحقيقتهم ونشتغل معهم في الجانب النفسي والاجتماعي ولكننا لا نستطيع التحكم في  المجتمع.
وشددت على أهمية أن يفهم المجتمع  كيفية التعامل مع هذه الفئة. وختمت حديثها بقولها: عندما يأتي إلينا الطفل من المايقوما نقيم له احتفالاً كبيراً حتى لو جاء وعمره  خمس سنوات نعمل له (سماية) أما الأمهات فيقمن بتجهيز سريره وألعابه، فالطفل الموجود يعرف أنه جاء من نفس المكان.
لدمجهم في المجتمع
ويقول د.عبد الرحمن محمد مبارك المدير الوطني لمنظمة قرى الأطفال (اس او اس) إنها أول قرية للأطفال في السودان تأسست في العام 1975م بمبادرة ورعاية الراحلة بروفيسور فاطمة عبدالمحمود وزيرة الرعاية الاجتماعية في ذلك الزمان. وتم استقبال أول طفل محروم من الرعاية الوالدية بمباني القرية في العام 1978م، ويتم قبول الأطفال بعد تكملة إجراءات الاستيعاب مع الجهات ذات الصلة (وزارة الرعاية الاجتماعية، مجلس رعاية الطفولة، ووزارة الداخلية). وتقديم كافة الخدمات الصحية، التعليمية، والرعاية في إطار الأسر البديلة. وأهم الخدمات المقدمة هي خدمة الرعاية الكاملة من خلال أم وخالة مقيمين بشكل دائم مع الأطفال، وبيّن أن القرية تتكون من 15 منزلاً و15 أماً و8 خالات ويصل عدد الأطفال الموجودين فيها حالياً إلى 101 طفل حيث تستضيف كل أسرة من 7 ـ 10 أطفال من فئات عمرية متقاربة وفي بيئة طبيعية كإخوة وأخوات يعيشون كأطفال في حي واحد بمختلف أعمارهم وأجناسهم وخلفياتهم، وتستعد مجموعات الأطفال في أعتاب سن الشباب للانتقال إلى منازل  الشباب والفتيات وهي منازل مستقلة،  واعتبرها  مرحلة مهمة نحو الاستقلالية  في الحياة، ويشير إلى أن الهدف من تلك البيوت دمجهم في المجتمعات المحلية لينموا ويصبحوا جزءاً من المحيط المحلي ويساهمون بإيجابية في ذلك المحيط حيث يتم رعاية الشباب والإشراف على شؤون حياتهم اليومية بواسطة اختصاصي شبه مقيم  بالمنزل يرافقهم في شؤونهم اليومية  ويدعمهم في تعلم مهارات الحياة ويلعب دور الأخ أو الأخت الكبرى، فهم يتعلمون من خلال إقامتهم بتلك البيوت المسؤولية، واتخاذ القرار، ومهارات تنمية النفس والثقة واحترام الذات مما يساعدهم في الاستقلالية وفقاً لخطة التنمية الفردية لكل شاب والتي تتم مراجعتها وتحديثها دورياً لتتماشى مع متغيرات حياة الشاب أو  الشابة.
ويشير إلى أنهم يتلقون التعليم عبر مدارس المجتمع، الجامعات العامة أو مراكز التدريب المهني، وأوضح أن الشباب يغادر برنامج الرعاية الأسرية عند إكمالهم سن 23عاماً كحد أقصى وذلك عند إنهاء تعليمهم أو تدريبهم المهني مع اكتمال الأهداف الرئيسة  لخطة التنمية الفردية وبذلك يستقلون ويغادرون من برنامج الرعاية الأسرية ويبدءون في بناء حياتهم الخاصة.
تحديات
وحول التحديات التي تواجه قرى الأطفال النموذجية (اس او اس) بدءاً من التعريف بها وبأهدافها ومنهجية عملها في رعاية الأطفال بالسودان، والمساعدة في دمج الشباب والأطفال ويشمل الدمج الاجتماعي والنفسي والتنسيق مع القطاع العام والخاص لتوفير فرص العمل والتدريب للشباب في برامج الرعاية الأسرية وبرنامج دعم وتقوية الأسر، فضلاً عن التنسيق مع الجهات المختصة في استقطاب دعم لمشاريع صغيرة من مؤسسات التمويل الأصغر، وتوفير فرص التعليم العالي والعام للأطفال والشباب الناجحين في كافة البرامج (كمنح للدراسات الجامعية) والمساعدة في استيعاب برامج الإسكان الدائمة أو المؤقتة للشباب فاقدي الرعاية الوالدية الذين ينتظمون في دراسات جامعية أو عليا، صندوق دعم الطلاب، الإسكان المؤقت، إيجار منازل للمجموعات، خطط الإسكان الجماعي.

 

 

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

eiman hashim
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

sss

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الكاريكاتير