منذ 6 يوم و 4 ساعة 0 61 0
أجراس فجاج الأرض
أجراس  فجاج الأرض

شهادة من أستاذي
بعد تحصيلٍ شارف الأربعين سنة

 

فتى التمانيات
تلقيت أبجد هوز فنيات التحرير الصحفي في منتصف ثمانين القرن الماضي على يد أستاذي مصطفى يوسف حامد إبن التمانيات قرب الجيلي، أذكر بفخر وإعزاز المحاضرات النظرية والميدانية التي كنت أتلقاها في قاعات تحصيل الأستاذ مصطفى الذهنية بالغة الإتقاد، مصطفى خريج الأزهر بمواصفات نادرة، شاء حظي وحظنا العاثر، هجرة مصطفى متنقلا عصفور خريف من بلد لبلد، يستقر به المقام الآن بفجاج أرضين الإنجليز، هو ممن فضلوا الإستجارة بنار الهجرة من جهنم الإنقاذ، يعيش عن بعد ويراقبنا عن كثب، ويراقبني أنا التلميذ إسفيريا بتعليقات هي زوادتي لتحرير هذه الزاوية يوميا، تحريرا يروق لهؤلاء ويسوء أولئك، بهرتني رسالة من أستاذي مصطفى شهادة منحني إياها بعد نحو أربعة عقود من الزمان ممارسة، ورسالته مهداة للنقاد وقد تلقيتها كما يلي يخاطبني فيها أستاذي بسيدي بينما هو سيد حرفتي ومهنتي:   
أخي وسيدي الأستاذ عاصم
لم تسلم لوحة العشاء الأخير، وهي إحدى اهم محطات الفن الحديث، للعظيم ليوناردو دافنشي، وتمثل المسيح مع تلاميذه ، والتي رسمها - وهو مستلق على ظهره على سقالة- في سقف كنيسة سانت مارتن بايطاليا، بداية عصر النهضة، من تطفل نقاد، لم ترتق أدواتهم وعدة شغلهم التي تسللوا بها للوحة وفككوها لمستوى ابداعيتها، فكان ان تقاصر نتاجهم عن إبراز مفاتن تلك الحسناء، إلى ان قيضت حركية الفن آخرين تسلحوا بمعينات مطلوبة في ظرف تهيأت فيه الانسانية لمرحلة متوازنة، فعرف العالم مدى إبداعية الرجل، الذي خلده التاريخ، كبصمة ورقم يصعب تجاوزه في تاريخ الفن الإنساني.
مدخل النقد، حالة تأمل شفيفة، خارجة عن إطار الزمن العادي، تُهضم بتذوق عال، وتتوسل إلى النص بحالة تسامح، بلا أفكار مسبقة، تندلق منها جماليات تستوعب البنى الدقيقة، بمناهج، تفرضها قسراً (الحبيبات الدقيقة) لما نحن بصدده.
ويمارس اي نص، سيدي عاصم، سلطة تقديرية، وانزياحاً في الزمن ، فليس هو اللحظة التي تجمد فيها بفعل اللغة، إنما هو كائن نام، الاقتراب منه لابد ان يضع كل هذه المعطيات، نصب العين، وإلا لابتسرنا آفاقه، وأوقفنا عجلة الدائرية فيه.
وأنا من الذين يؤمنون ان تفكيك اي كتابة، والولوج إلى حصنها، يتطلب التسلح والتزود برؤى فاحصة، تفهم في استطيقا اللغة، وإحساس يوازن بين الشخصي والعام، دون ان يميل مؤشر النتاج إلى جانب بلا مسوغات، والنقد، ليس كما فهمه الكثيرون خطأ،ابراز للمثالب وإخفاء للمحاسن، بل هو عملية علمية، تتحصن بمناهج، تكشف عن الجانبين، بدراية ، بلا عنجهية.
أن آتي في لحظة مستقطعة من السياق، أُلقي بحكم جزافي، وأهرب إلى الأمام، محتمياً بأي هيكلية، فليس هذا من النقد في شيء، بل هو فرض لأحكام غير موضوعية، من بنات الخاص، يبدو لي من السهل ان يصل إليها أي مدعٍ.
مأساتنا في السودان اننا نشوه الجميل، نعبث بالورود، ونقيم تماثيل من ثلج، لأناس، لايغزلون الحرف ولا ينسجونه- مثلك- كما ينبغي، لايفقهون في النحت والتوليد، و(تعشيق) الفصحى بالعامية، كما تفعل، ثم تجدهم ينتقدون، وإن سألت أحدهم عن ماهية النقد صمت ولاذ بالفرار.
دعك منهم، وشكل لوحاتك، بفرشاتك واختر لها الألوان، قرمزية واقحوانية، وثق ان فترينة القارئ، تحتفظ لك، بكل هذا العبق، وتتمنى كل يوم المزيد.

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

eiman hashim
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

sss

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الكاريكاتير