منذ 6 يوم 0 33 0
معتز موسى والاقتصاد من خلال ثلاث وثائق
معتز موسى والاقتصاد من خلال ثلاث وثائق

د. صدقي كبلو يكتب عبر (أخبار اليوم)

قدم السيد رئيس الوزراء في خطابه في كتوبر أمام المجلس الوطني ثلاث وثائق قدم من خلالها رؤيته للوضع الاقتصادي في البلاد وخططه للمستقبل، ولأهمية هذه الوثائق نتناولها بالتحليل والنقد.
الوثائق الثلاثة هي: أولا أداء الحكومة للفترة من أبريل وحتى سبتمبر 2018 والوثيقة الثانية هي عن أوضاع الاقتصاد الكلي ورؤية إطارية للإصلاح والوثيقة الثالثة هي منهجية وموجهات إعداد موازنة العام المالي 2019.
توقعات وأهداف
ورغم أن الوثائق الثلاثة لا تختلف عما صدر من وزراء مالية سابقين مثل علي محمود  وبدر الدين محمود والفريق سليمان، وأنها مليئة بالتوقعات والأهداف التي لم تتحقق من قبل مثل زيادة الصادر أو محاربة التضخم واستقرار سعر الصرف، إلا أننا لا نمل من استعراضها ونقدها لنوضح أن الدولة والنظام لا يريان إعوجاج رقبتيهما وأن المسألة تتعلق بالنظام السياسي، لا بعدد وزاراته ولا عدد ولاياته أو محلياته أو تضخم منصرفاته الأمنية والدفاعية، ولا بسوء وعدم عدالة تخصيص موارده وإهدارها وإهماله لاحتياجات الناس الأساسية وهي تعبير أوسع من معيشة الناس بفهم الحكومة، إذ معيشة الناس (livelihood) من مفاهيم نظريات التنمية الحديثة تعني سبل كسب العيش المستدامة التي تدخل الاحتياجات الأساسية ضمن بنودها الأساسية ودائما ما يكون هدفها ليس فقط تحقيقها وإنما استدامتها. إن حل هذه المسائل مرتبط بطبيعة الدولة والنظام السياسي: من تخدم ولمن تخضع الموارد وتقسيمها. والنظام الحالي ودولته بعيدين عن الانحياز للفقراء ولمجمل الشعب وهم يخدمون بشكل كامل وبإصرار مصالح الرأسمالية الطفيلية غير المنتجة والتي تسيطر على المصارف وتجارة الاستيراد وتجارة العملة، وبدون تغيير طبيعة الدولة والنظام السياسي، فتصبح كل محاولات الإصلاح هي محاولات ترقيع لقربة مقدودة كلما سد قد فتح من جديد.
أداء الحكومة من أبريل حتى سبتمبر
بدأ رئيس الوزراء برسم صورة زاهية لوضع السودان الدولي وعلاقاته الخارجية  اتسمت فترة التقرير بعلاقات متوازنة ومثمرة للسودان مع معظم دول العالم  (ص 5 من الخطاب الموزع على النواب) وللأسف هذه الصورة الزاهية غير حقيقية، فالسودان خلافا لعلاقته مع الصين وروسيا وتركيا (ومصر بعد الخطاب) يعاني عزلة دولية وما زالت المفاوضات مع أمريكا تراوح في مكانها حول حالة الطوارئ والإرهاب وهي لوحدها كفيلة بإحجام النظام المصرفي رغم رفع العقوبات الأمريكية، عن التعامل مع النظام المصرفي السوداني وبالتالي يظل السودان في عزلة مالية ومصرفية، ويترك ذلك أثرا في العلاقات الأوربية رغم الوفود الزائرة الكثيرة بين السودان وبريطانيا وبعض دول الاتحاد الأوربي، فلا جديد في العلاقات الاقتصادية وينعكس ذلك في علاقتنا مع صندوق النقد الدولي الذي ننفذ سياساته في برنامج التركيزي للإصلاح الاقتصادي ومع البنك الدولي في برنامج الإصلاح الهيكلي ولم نجني أي فوائد من علاقاتنا العربية مع محور السعودية الامارات ولا قطر. هذه الصورة الزاهية التي يقدمها رئيس الوزراء هي خادعة ولا تساعد في مواجهة أن مسألة العلاقات الدولية لها علاقة بطبيعة النظام السياسي وسياساته الداخلية والخارجية والتي لن تتغير بتغييره. بل أن رئيس الوزراء في صفحة 22 ينكر أثر الضغوط الخارجية والتي أسماها الحصار على الثلاثة الماضية من عمر النظام السياسي وأدعى إنجازات لا يرى المواطن العادي منها إلا الأزمة الاقتصادية.
لقد قلنا عن تلك الفترة في مقال لنا من قبل
تلك السياسات التي اختطها السيد عبد الرحيم حمدي سنة 1992 والتي أدت حينها الى تدهور الجنيه فيما أوردنا في مقالنا السابق من 12 جنيها في عام 1989 الى 2516 جنيه للدولار في عام 1999 عشية بداية تصدير البترول السوداني.
تصدير البترول
إن عدم النظر النقدي للفترة 1989-1999 حتى تصدير البترول يجعل النظام يكرر نفس الأخطاء التي أدت بالاقتصاد لعنق الزجاجة: سياسة التحرير الأيديولوجية غير المرتبطة باحتياجات اقتصادية لتنظيم الاقتصاد وترتيب أولوياته وحرية التجارة التي أدت الى تنامي الواردات التي حطمت الصناعة السودانية وأهدرت موارد النقد الأجنبي. إن عدم النظر لفترة البترول حتى استقلال الجنوب بأنها فترة دخول الاقتصاد لغرفة الإنعاش وليست تعافي، فطبيعة النظام التي تحكمت في تخصيص موارد البترول واستغلالها بالشكل الأمثل للخروج بالاقتصاد من أزمته، وأن بمجرد استقلال الجنوب وخروج الاقتصاد من غرفة الإنعاش عاد لأزمته المستمرة من قبل.
تخفيض الجهاز التنفيذي وهم آخر
يقول السيد معتز موسى رئيس الوزراء ص 6 أن الفترة شهدت  اتخاذ إجراءات حاسمة لتخفيض الانفاق الحكومي، بدأ بتخفيض أجهزة الحكومة القومية ليصبح عدد الوزرات 21 بدلا عن 31 وزارة  وهذا وهم آخر يريد السيد معتز بيعه للجماهير، فالحكومة تقلصت وزارتها ولكنها استبدلت عدد منها بمجالس ومفوضيات يقودها وزراء ووزراء دولة كمجلس الشباب والرياضة، ومفوضية الاستثمار ومفوضية أو مجلس الأوقاف والحج، ...الخ.
إن تخفيض الانفاق الحكومي يتطلب نظاما جديدا لا يحتاج لتركيز الموارد لحماية نفسه ولخوض الحروب الأهلية ولشراء المؤيدين أو السعي لكسب تأييدهم من خلال تقسيم المناصب التنفيذية وعضوية المجلس الوطني ومجلس الولايات والمجالس الشعبية. إذ أن محاولات نقص الانفاق الحكومي تقع تحت طائلة نظرية القربة المقدودة، وهذا ما أثبته اجراء تقليص الحكومة فسرعان ما ظهرت الحاجة لاستيعاب حلفاء في مواقع تنفيذية جديدة فخلقت المجالس والمفوضيات!
أداء الحكومة في 6 أشهر
رغم أن رئيس الوزراء قد أحالنا لتقارير الوزراء عن أداء الحكومة خلال الفترة من أبريل الى سبتمبر 2018، ونحن سننتظر تلك التقارير لفحصها وتقييمها، إلا أن رئيس الوزراء قد تعرض لبعض ما يتوقعه من انجاز للموسم الزراعي الصيفي الحالي والشتوي، فنحن في انتظار الحصاد، إذ لا يكفينا الحديث عن المناطق التي زرعت فيكفي ما حدث لمحصول السمسم فيما نقلنا عن صديقنا جعفر خضر في العدد الماضي.
أما فيما يخص انجاز قطاع الكهرباء فرغم أن رئيس الوزراء يحدثنا عن زيادة التوليد بفضل سدي أعالي عطبرة وستيت بحوالي 9 قيقا واط فإن ذلك لم ينعكس في أداء الشبكة الكهربائية التي ما زالت تقطع التيار عن الأحياء والمصانع والشوارع وإشارات المرور.
ولفت نظري بوجه خاص بؤس إعداد المعلمين المدربين خلال هذه الفترة فهم 1348 لمعلمي الأساس و281 لمعلمي المتوسط (الذي يؤمل استعادته) و 102 معلم في المستوى المتقدم، وهذه أرقام لا تشفي قليل ناهيك أن تستجيب لوجهة معتزة في تنمية اجتماعية يقودها التعليم!
ونتناول في المقالات القادمة الوثيقتين الباقيتين.

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

eiman hashim
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

sss

شارك وارسل تعليق

أخبار مشابهة

الأخبار

بلوك المقالات

الكاريكاتير