الجمعة, 20 ابرايل 2018 05:19 مساءً 0 1 0
اخبار اليوم الثقافى تحاور الروائى ابراهيم جبريل
اخبار اليوم الثقافى تحاور الروائى ابراهيم جبريل

كتبت عن معاناة الشركس وتاريخ المهدية في رواية «رحلة الشركسي من الشيشان إلي شيكان»

الرواية السودانية الآن تمرّ بظروف معقّدة

حاوره: صديق الحلو

ولدت بمدينة الأبيّض بحيّ النّاظر قبل مايو بأشهر قليلة. 

التحقت بمدرسة فلسطين الابتدائية التي تأسست عام 1975 وتمّ قبول أوّل دفعة عام 1976.

وكنت من أوّل دفعة. 

   حي فلسطين تأسّس عام 1948م لذا أخذ هذا الاسم؛ مثل «جبرونا» و»طردونا» و»زقلونا» بأنحاء السودان؛ كان سكّان الحيّ الأوائل يسكنون بوسط البلد، فواكب ترحيلهم تهجير الفلسطينيين.

   درست بجامعة القرآن الكريم، وعملت بها بجنوب السودان بمركز الجامعة لمدة ست سنوات أضافت لي الكثير، وعملت بجنوب كردفان لمدّة سبع سنوات شكلّت لي إضافات وجدانيّة ومعرفيّة هائلة، دراستي الجامعية بام درمان. وعملي بجنوب السودان وجنوب كردفان، وأهلي بغرب السودان، وزرت الشرق بورتسودان وكسلا. والشمالية حتى «دنقلا» وترددت على خلوة «الشيخ طه» قرب «مدني» أتاح لي ذلك معرفة كثيفة بإنسان السودان، وانعكس ذلك على رواياتي وقصصي القصيرة.

التحيّة لكل أمّ؛ نحن صنائع الوالدات.

  نشأت بحي النّاظر بمدينة الأبيّض (أب قبّة فحل الديوم) المدينة الدولة، المدينة المدهشة التي استوعبت الغرب والشرق والشمال والجنوب، مدينة لا مساحة فيها لتعصّب عرقي ولا جهوي ولا ديني، سوقها وأحيائها سودان مصغّر، معالم عديدة تحمل أسماء وافدين: و»د الياس»، و»أبو شرا»، وقديماً «حي الميرم»، وقبّة «سوار الدهب» وقبّة ومقابر «دليل المحسي» وحي «المواليد» وفريق «الرحمة» وسوق الأبيّض  «الكردفانيون» فيه قلة  وأشهر مطعم، وأشهر مغلق، وأشهر صيدليّات كلّها تعود لأفراد وأحفاد قدم جدودهم من خارج «كردفان» وطاب لهم المقام. ولم يشعرهم أحدٌ يوماً بأنّهم أغراب، والأقباط لهم حيّهم وكنائسهم ووجودهم التجاري علي قدم المساواة؛ «يوسف ميخائيل» نشأ بالأبيّض وكتب عن سكنى الأقباط بها قبل المهديّة. 

الأبيّض مدينة تصنع بإنسانها البسيط الرائع الذي لم يتعاط السياسة إلا باقتصاد عبرالتّاريخ مدينة تتجاوز الجهات والعصبيّات.

لا غرو أن انطلق المهديّ من كردفان.

*هل هذا حقا  عصر  الرواية؟

-نعم هو (عصر الرواية) يقول أستاذي الناقد والأديب «عبيد المجذوب»:

   قالت العرب –قديماً-: الشعر ديوانُ العرب.

واليوم صارت الرواية ديوان العالم.

وبما أنّ ذلك كذلك وجب عليها أن تقتبس من فيض كلّ الفنون.

من الشعر عذوبة اللغة، وتحريك المشاعر.

ومن فن الرسم البراعة رسماً بالكلمات.

ومن السينما الحراك الدائري.

ومن النحت الدقّة والمصابرة.

ومن التشكيل الجمال والغموض.

ومن الغناء والموسيقى الشجو والتطريب.

ومن التصوير الواقعيّة وزاوية الإختيار.

ومن ... ومن ..

من كلّ بستان زهرة.

ومن كلّ فنّ ثمرة.

هذا هو فنّ الرواية.

وبهذا سيطر علي ساحة الفنون المعاصرة وسما عليها.

* ماذا  تعني كردفان  لك؟

-كردفان تعني الكثير؛ كتبت هذا المقطع وأنا طالب بالثانويّة لبرنامج «همسات المستمعين» بإذاعة «كردفان»:

أيّها الحادي تقدّم ...

وانظر إلي الربا ...

تكلّلها الورود...

ويزيّنها الندى..

وانظر إلي ذرّات الرمال..

وقد نقشت بأحرف من نور..

اسم (كردفان)...

حدّق... أفلا تصدّق؟!

* تهتم بالإنسان وقضاياه في كتاباتك؟

شاهدت بأم عيني روائع ومآس. شاهدت أناساً كراماً أخنى عليهم الدّهر بالحرب والنهب وبالجفاف والتصحّر فنزحوا لأطرف المدن، أمّضهم الجوع وقوافل الموت تترى، وهزّتني زيارة «جورج بوش» وإغاثته لهم: 

نحن في سودانّا    مما بننسي أمريكانّا

بوش (الله عليه)   زارنا في كـــــــــردفانّا !

وأيضا:

«بوش» والله أنا مسميهو      الكــــــــارب زنده

جاب العيش كـــــــــــــــــــتير     واحدين ينقلوهو

وواحدين يسنده

جاب الزيت بالبرميل      مـــــــــكتوب عليه هولندا

أني والله مــــــــتعجب       من كترة العيش العنده!

واختلطت علي إحداهنّ الأمور حين وصلتها إعانة كويتية فقالت:

«ريغان» الكويتي   أتمناه سيد بيتي!

واغتاظ زوجها فردّ:»ريغان» الكويتي  أتمناه ست بيتي!

وكما اختلط علي هذه الأمر، ظنّت أُخري أنّ «كير» رجل لا منظمة فقالت:

«كير» الله يعمر بيته  جاب العدس بي زيته 

وكت ركّبته كَلِيتَه   جردل مويه حَسِيتَه!

    فدعت لـ»كير» بالعمران لإحضاره الزيت والعدس، الذّي حين وضعته علي النّار وأكلته شربت دلواً من الماء!

  وأنشدت إحداهنّ مخاطبة زوجها، متّهمة إيّاه بالهروب حين ذهب يبحث عن شيء ولم يعد:          من يومك الفزيت    «ريغــــــــــــــــــــــــان» ماسك البيت

كـــــل شهر هليت      شوّال عيش وجيلون زيت!

   كتبت هذا لأنّي شاهدته في صباي فما برح مخيّلتي؛ أنجد «جورج بوش» بتعليمات رئيسه «رونالد ريغان» الجوعى بكردفان، وشملتنا نجدته في المدينة بعد أن أشبع القرى.

لله درّه!!

وكذلك هزّتني امرأة أثّرت على عقلها الظروف بدارفور فكتبت عنها فصلاً بروايتي الغابة دار محنة بعنوان «سيّارة البوليس» وكلّ هذا موجود بمدونتي (حول الحمى) في «بلوجر» 

هزّتني سكنى اللاجئين «الكنغوليّين» في المقابر بـ»جوبا» فكتبت «حي الظروف»

وهكذا كتبت «سكرة ينّى» و»الجندي وبنت ملك الجان» و»رأس الشيطان»

   كتبت عن معاناة الشركس وتاريخ المهديّة في رواية «رحلة الشركسي من الشيشان إلي شيكان» وأوّجه التحيّة للدكتور «عمر فضل الله» الذي موّل طباعة الرواية دون أن يراني ليوم النّاس هذا.

*كيف تري  الرواية السودانية الآن؟ 

الرواية السودانية الان تمرّ بظروف معقّدة: مرحلة يسمّيها أستاذنا «هاشم ميرغني» بـ»حمّى الرواية» إنتاج كثيف يتعذّر علي النقاد ضبطه ومراجعته، فيه نتاج رائع، وآخر غثّ يحتاج لتوجيه.

   الإشراقات رائعة، شباب مثل «حامد موسى» يكتب «درب نملة» بأسلوب رائع ولغة حلوة، وآخرون يكتبون كيفما اتفق، والناقد السوداني تغلب عليه روح المجاملة فيترك للظروف والسوق وذائقة القارئ مهمّة الغربلة.

*والنقد  ماذا  عنه؟

النقد: من إشكالات النقد الصداقات والحياء السوداني والود الممتد بين النقّاد والكتّاب تشكّل عوامل إحراج في تقييم وتقويم الأعمال، مع ندرة النقّاد و»حمّى الرواية» صارت المهمّة عسيرة.

-الهوية مشكلة عويصة عند الكاتب السوداني: يريد التماهي مع المحيط العربي، صورة السوداني عند العربي تقترن بالحروب والكوارث لا بالفنّ والإبداع؛ انطباع يصرف كثير من النقاد العرب عن الأعمال السودانيّة عموماً، مع أنّ هناك بضع أعمال اخترقت هذا الحاجز.

   وهناك إحساس عام –خاصّة وسط جيل الشباب- بأنّ العرب يتعاملون مع السوداني عموماً كالملح (لا بدّ من القليل منه في كلّ طبخة). ولا يهتمون بنتاجه الفني عموما. 

جيل الشباب يغلب عليه السخط من التماهى بالمحيط العربي، وبعضهم يدعون (للسوادانويّة) والتماهى مع الجوار الإفريقي، إشكال الهويّة عويص بالسودان وانعكس على أعمال الأدباء فمن متمسّك بالعروبة والثقافة والإسلاميّة ومن متناغم مع السودانية المحضة ومن مستمسك بالثقافة العربيّة رافضاً لغيرها، ببساطة تجاوز الطيّب صالح كلّ ذلك طارحاً «مصطفى سعيد» عربيّاً أسود لأم جنوبيّة. وما زالت الغابة تصارع الصحراء، وتتمازجان حيناً.

*هل لابد  للمبدع أن يكون  ملتزما  سياسيا؟ 

-من الأدباء من سار على نهج كبار الروائيين يتجاوزون الدّين والعرق والمذاهب السياسيّة طارحين القضايا الإنسانيّة بحساسيّة وتوازن مدهش بالأخلاقيات المسلمّة، ومن الروائيّين من جعل من الرواية أداة صراع سياسي. الروائي المتمكّن محايد؛ يطرح القضايا من منظور إنساني متجرّد؛ فاشل الروائي الذي تستشفّ اتجاهاته من كتاباته: «فيكتور هيجو» كتب «البوساء» عن المعاناة في خضم الثورة الفرنسيّة، اهتمّ بالإنسان، واللص والقسيس والشرطي الملتزم والسارق ... إلخ كتب رواية ممتعة عن (معاناة الإنسان) دون انحياز للثوار أو الملك فلقيت القبول العالمي. الكاتب الروائي يغلب عليه طرح الإنسانيّات لا تسويق أفكاره.

  أيّ عمل أدبي ناجح يمسّ السياسة؛ لكن الطرح الحاد المنحاز بالكامل لجهة باعتبارها خلاصاً وجهة باعتبارها شرّاً محضاً غير موفّق.

الحب والمرأة:

آه ...

ليت شعري هل دروا.. أيّ قلب ملكوا؟

وفؤادي لو درى... أيّ شعب سلكوا؟

أتراهم سلموا.... أم تراهم هلكوا؟

حار أرباب الهوى... في الهوى وارتبكوا...

المرأة كلّ والرجل جزء..

والما عندو محبّة 

ما عندو الحبّة

(الحب دين).

.....

يا نَسيم الريحِ قولي للرَّشا

لمٍ يزِدني الوِردُ إلا عطشا

لي حبيبٌ حبُّهُ وسطَ الحشا

إن يشأ يمشي على خدي مشى

روحُهُ روحي وروحي روحُهُ

إن يشأ شئتُ وإن شئتُ يشأ.

*كلمة  لابد  منها؟

   كلمة أخيرة: لحكومتنا الرشيدة: أعيدوا معاهد تأهيل المعلمين؛ اللغة إلي ضياع، صار خريج الأساس لا يفرّق بين مخارج الحروف، وفاقد الشئ لا يعطيه المعلّم غير المؤهل يخرّج أجيالاً غير مؤهلة. يمرّ الطالب للجامعة بضعف شديد في الإملاء. اللغة آلة المعرفة؛ لا معرفة بلا لغة.

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

شارك وارسل تعليق

برنامج فى الواجهه التلفزيونى

الكاريكاتير