السبت, 16 نوفمبر 2019 09:59 مساءً 0 127 0
المنتدي الادبي : أحمد مجذوب المبارك
المنتدي الادبي : أحمد مجذوب المبارك
المنتدي الادبي : أحمد مجذوب المبارك

المسافة الجمالية في السرد .. « قراءة في عُشبُ الليالي» (1) 

بقلم د . يوسف أحمد إسماعيل

“عشب الليالي ” للروائي الفرنسي “باتريك موديانو” الحائز على جائزة نوبل للآداب 2014  تثير الرغبة لدى متلقي الرواية في البحث عن إجابة على السؤالين الآتيين ؛ الأول : ماذا يريد السارد النصي من سرده ، إن كان متماهياً بالمؤلف أو شخصية روائية، ترتبط حدود وجودها بالمتخيّل السردي فقط ؟ والثاني كيف يقول ما يريده؟
وبين تفاصيل الإجابة عن السؤالين، تتشكل، في تجربة التلقي، المسافة الجمالية التي يقدمها النص الروائي، بوصفه جنساً سردياً، تتحدّد هويته الفنية في تشكيلات العلاقة وماهيتها بين السرد والتلقي.
في الإجابة عن السؤال الأول يبقى تمدد دلالة المطروح في النص السردي، بشكل عام، مشروعاً باعتبار وجهة القراءة، وتوجيه النص نحو بؤرة محدَّدة من قِبل القارئ ونوعيّته؛ ولكنّ ذلك يفتح النص، كما ذكرنا، على تمدّد الدلالة وليس على ضياع البوصلة، أو الذهاب إلى الاستدعاء الحر.
من هذا التوجه يمكن أن نقول: إنّ الرواية لا تبحث في السيرة الذاتية، كما قد يوحي التأمل في المذكرة السوداء؛ ففي السيرة الذاتية، تتمدد خيوط متوازية في السرد، وإن أخذت شكلا تعاقبياً في الزمن، لتعلن عن الوعي الفردي والجمعي للمروي عنه ، من خلال صور ومواقف واشتباكات ، قد تكون متشتتة ، ولكنها تلتصق بخيط خفي داخل السرد ؛ هو الشخصية المتخيَّلة في الرواية . ولا تطرح ” عشب الليالي ” التأثّيرات الثقافية والسياسية والاقتصادية أيضا التي خلّفتها الحرب العالمية الثانية على باريس، كما رأى البعض، فالرواية لم يحقق فيها السرد شروط التفاعل بين الشخصيات ، بما يضمن تحقق ملامح متباينة أو متجانسة ، عبر تطور درامي ، قائم على الصراع بين الرؤى والأفكار ، أو بين المصالح المتضاربة ، عبر تغيّر الزمن وتبدله بين عقد وآخر ، على الرغم من حضوره الكثيف في الرواية . ولا تتناول، أيضا، بالتحليل حل لغز اختفاء المهدي بن بركة، كما قيل أيضا، وإن كانت ملامح العمل الأمني مهيمنة على المذكرة السوداء، التي تشيد بناء النص على فعل الكتابة بكامله، غير أنّ تضافر ملامح العمل الأمني، مع حضور البعد المغربي ـ مثل ولادة ” داني ” في الدار البيضاء، كما ادّعت، وعلاقة بعض شخصيات الرواية بالسفارة المغربية في فرنسا، و”أغاموري” المغربي، ورجل الأعمال صاحب الفندق السياحي في المغرب .. ومع الإشارة المؤوَّلة لسنة اختفاء المهدي بن بركة 1965 ثم باريس، حيث موطن السرد في الرواية، وإقامة المهدي بن بركة قبل اختفائه . يمكن القول: إن اختفاء هذا المعارض السياسي أو ذاك لم يكن غير مادة تاريخية يتكئ عليها وعي الروائي ، ويدمجه في المتخيّل السردي ؛ لإشادة بناء كليّ الدلالة، يربط بين الخاص والعام ، وبين التاريخي والفني التخيلي ؛ فالفن يأخذ من التاريخي جوهره الفاعل، وليس مواصفاته الذاتية ؛ بمعنى أن باتريك موديانو أخذ من قضية اختفاء المهدي بن بركة وأمثاله ـ إذا أخذنا بالإشارات السابقة ـ في القرن الماضي فعلا يسم المرحلة بعد الحرب العالمية الثانية ، بغض النظر عن الشخصية التاريخية للمهدي بن بركة؛ المناضل المغربي المعروف . والجوهري في قضية المهدي وأمثاله، ليس الحدث التاريخي، والشخصية الواقعية بالنسبة لـ “باتريك”، وإنما المرحلة السوداء، وقضايا حقوق الإنسان، والعيش بأمان في مدينة النور، التي تحّولت إلى يباب يلف المكان والزمان. وصور ذلك في الرواية تهيمن على اللغة والروح والجدران والحب؛ فكل الأماكن التي يذكرها الراوي أو يدخلها أو يلتقي فيها داني وجون هي أماكن لا وجود للجمال فيها، بل كئيبة وباردة، وتساعد في تشكيل الشعور المريب المهيمن على الرواية، حيث يكون ” الهدوء عميقا “( ص92) والأزقة رمادية (ص58) والسوق معتماً (ص64) وواجهة الكنيسة مظلمة (ص92) ، والليل يطبق بجسمه الغليظ ( ص99) واليباب سيد الأرض ص(81(
يقول الراوي ـ ربما إحاطة منه بكل ترددنا ذاك ـ عن بحثه في المذكرة السوداء (أكتب هذه الصفحات لأعثر على ممرات هروب وأفرّ عبر فجوات الزمن) (ص83) إن الفرار والهروب عبر فجوات الزمن من الراهن إلى ماض انقضى يقتضي وجود ذاكرة، تراكمت فيها شتات ونتف ومواقف وتجارب، وهذا بدوره يقتضي عمرا آخر مرّ، نهرب إليه من عمرنا الراهن.  يمكن القول إذن، ومن خلال فعل الهروب المختلف عن فعل تصفح الماضي المرتبط أكثر بالسيرة الذاتية، نحن أمام محاولة متأخرة لفهم ما جرى في أمر ما في حياتنا الخاصة أو العامة. وهذا ما كان عليه حال الشخصية المستذكرة في ” عشب الليالي” ذهب في الماضي للبحث عن فهم للغامض فيه ، من خلال صديقته “داني” ، الغامضة ، منذ الكلمة الأولى الكاذبة ” ولدتُ في الدار البيضاء ” ثم ذكْر أماكن السكن والإقامة المتنقلة ، ثم حديث أصدقائها المشبوهين بعلاقاتهم السرية، وانتماءاتهم الخارجية، ثم أمر اختفائها المفاجئ وسجنها الطويل ، وفي آخر المطاف تعدد أسمائها وإقامتها في الحي الجامعي لجناح الولايات المتحدة ، وهي ليست طالبة في الجامعة، وليست أمريكية ..إن ذلك كله يستدعي العودة للحفر فيه ؛ لإعادة فهمه ، وخلق حالة من التوازن لدى الراوي في “عشب الليالي ” .
إنّ حلّ الشفرة المتعلقة بصديقته “داني”، كشف له رطوبة الكهف الذي تعيش فيه باريس بعد الحرب، في ستينات القرن الماضي. هو لم يكن يبحث عن ذلك، ولكن البحث عن ضالتنا تقتضي منا الحركة الدؤوبة نفسياً أو جسديا، وهذا ما كان يعيش فيه “جون” . ولذلك فإن فضاء الرواية هو فضاء باريس المعتمة، وشوارعها الخالية، وعماراتها المهدمة ، وحاناتها الباردة ، ومقاهيها الفقيرة . فقد كانت الريبة تسير معه وداني في الشوارع، وكانت البرودة سيدة الوقت، وكان الغموض يلف حوارهما الوديّ؛ إذ يتحاشى هو سؤالها، وتتجنب هي بقصد التصريحَ له بما لا تريد. وكانت الصورة بينهما، وفق ذلك ؛ هو كالمرتاب المأخوذ دون قدرة على المقاومة أو المراجعة أو الإدانة ، وهي المتخفية الواثقة بهدفها مادامت تتقن حمل الأوراق المزيفة ، وتدرك فجوة المسافة بين ما تُظهر وما تبطن، ويمكن تلخيص تلك الصورة في طريقة دخولها، برفقته، شقتها السابقة (صعدنا زقاق لاكونفونسيون . كانت ترغب بقوة في أن تدلني على المبنى حيث كانت تقيم … حين صرنا بإذاء المبنى أخبرتني ” سأريكَ الشقة … لازلتُ أحتفظ بالمفتاح “… ألقتْ نظرة على النافذة المظلمة للغرفة الخاصة بالبواب ” دائما ما تكون الحارسة غائبة في هذه الساعة، لكن لا تحدثْ أي ضوضاء على السلالم ” لم تضغط على مفتاح ضوء السلالم ,, فتحت الباب في الظلمة ثم أوصدته دون أن تحدث أي صوت .. حذرتني من الآن فصاعدا علينا أن نتحدث بهدوء … خشيتُ فجأة من سماع صوت باب الشقة ينفتح وأن يباغتنا الشخص الذي يقيم هنا ..كانت تفتح أدراج الطاولات …وتفتشها في نفس الآن كانت تسحب بعض الأوراق وتضعها في جيب معطفها .. لا شك أنها كانت تعرف الشخص الذي يقيم هنا مادام أن مفتاح الشقة لم يتغير … بعد أن فتحت باب البيت ، قالت لي ” لا بد أن الحارسة قد عادت ، علينا أن نمرّ بأقصى سرعة ممكنة أمام غرفتها “) … في ركن قصي من المقهى المقفر جلسا للاستراحة من السلالم والتوتر الذي أصابهما ، بدا عليها الندم لأنها لم تأت ببعض حاجاتها الأخرى ، فقال لها : يمكن أن أنوب عنك في ذلك ، وفي وضح النهار أطرقُ الباب ، وأطلبُ من الساكن الجديد نيابة عنك أخذ حاجاتك ( أخبرتني بصوت هادئ جدا ” لكن لا ، هذا مستحيل عليهم أن يظنوا بأنني متّ) ( ص 47 ـ 60)
إن غموض “داني”، وشبهة أصدقائها، وجفوة المدينة الهاربة إلى اليباب، وسطوة المحقق السري ”لانغلي ” الذي كان يراقب كل ذلك، شكّل ذروة تسجيل رؤوس أقلام عابرة في المذكرة السوداء التي كانت مفتاح الولوج إلى الماضي ؛ لإعادة فهمه وتفسيره ، ثم إدانته من رغبة قابعة في النفس ؛ هي الرغبة في النور أو عودة النور إلى باريس؛ مدينة النور والشمس والحريات والأمن والسلام.
فالرواية، إذن، وفق ذلك، إدانة صامتة وخاصة يوجهها باتريك للحرب التي تحوّل الحياة إلى موت، والنور إلى العتمة، والحرية إلى الاعتقال، والحب إلى توجس وخوف وقلق، ومدينة النور إلى أرض يباب.
في الإجابة عن السؤال الثاني: كيف يقول ما يريده؟ لابد من التوضيح أن العودة في الذاكرة إلى أقصاها قد تكون طوعية استرخائية استذكارية ممتعة، وواضحة المعالم والتوجهات والرؤى. وهنا نحن في إطار السيرة الذاتية، أو تكون عودة قهرية، العائد إليها هارب من الراهن؛ لعدم قدرته على الفعل والتفاعل مع محيطه الآني. وهنا العودة القهرية استلابية ، ليس لفراغ الراهن فحسب بل للضغط الذي تمارسه المذكرة السوداء ، بما فيها من يباب ، أو نتف مرهقة من الوجع أو الحيرة أو الغموض ، كما هي الألغاز التي لم نستطع أن نجد لها حلولا في حياتنا الماضية ؛ ولذلك تُختزل العودة بتفاصيل حدث ما، بقي مشوشا أو غامضا أو مدهشا . وهنا تكون العودة عمودية تحفر في التفاصيل الصغيرة جدا، وتتبع أسلوبا متداخلا من الوصف إلى التعليق إلى المونولوج الداخلي إلى تغيّر ضمير المخاطب من الأنا إلى الآخر، وذلك على عكس السيرة الذاتية في السرد؛ إذ العودة أفقية، يسير السرد فيها بيسر، دون تفاصيل مرهقة أو أسلوب مشتت ، يجمع صورا متعددة للغة .
• د. يوسف أحمد إسماعيل، باحث أكاديمي في السرد العربي القديم والنقد و تحليل الخطاب وكاتب عربي سوري وعضو هيئة التدريس بجامعة حلب.

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

nadir halfawe
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

sss

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الصور

الكاريكاتير