الاربعاء, 08 يناير 2020 01:57 مساءً 0 331 0
للجميع فقط
للجميع فقط

التسوًل

بقلم :أحمد مجذوب المبارك الشريفي

رغم وجود قوانين لمكافحة التسول، يظل أمر هذه المكافحة (المستمرة) كأنها لا توجد، فمكافحة التشرّد والتسوّل والذي ينصّ القانون على مواد تجرّم التسوّل وعلى عقوبات بالسجن والغرامة، والجهود المستمرة بالقبض على المتسوّلين الذين ينتشرون بالمئات في شوارع العاصمة الخرطوم وتهدف إلى إخلاء العاصمة من الظاهرة التي زادت حدّتها، والتي تشمل متسوّلين من دول أفريقياعديدة، وقد تم فعليا إلى ترحيل الآلاف منهم.
بهذا في تقديري يعتبر من أهمّ وأخطر القضايا الاجتماعيّة التي تستحقّ النقاش، رغم أن هذه الظاهرة تعتبر منتشرة في جميع الدول العربية والغربية، فلا مفرّ إذا من المتسوّلين، لكن ما هي أسباب التسوّل، ومن المسؤول عن ذلك، وما هي الحلول اللازمة للتخلّص من تلك الظاهرة البشعة؟
ومعروف أن التسوّل هو سؤال الناس وطلب الأموال منهم بطريقة تظهر المتسوّل بشكل مهين له يجرده من جميع أشكال الكرامة الإنسانية، وهنالك عدّة أسباب تدفع الشخص للتسوّل ومنها: الحصول على المال من أجل توفير لقمة العيش له ولأولاده، وإن كانت هذه الطريقة بشعة إلّا أنّها موجودة ويلجأ لها الكثير من المتسوّلين من أجل العيش والاستمرار ويكون السبب عدم القدرة على العمل بسبب المرض والعجز، وعدم جود أي دخل يؤمّن الاحتياجات الأساسيّة لأفراد عائلته. اتّخاذ التسوّل كمهنة لدى البعض، ويستمرّ بها ليجمع الأموال حتّى لو كان قادراً على ممارسة عمل آخر يحفظ له كرامته ولا يعرضه لإهانة النفس، وفي بعض الأحيان تجد هؤلاء الأشخاص يمتلكون أموالاً يستطيعون أن يعيشوا بها دون الحاجة لأحد.
أما السبب الآخر للتسوّل هو أخذه وراثةً عن الأب أو أحد من العائلة فيكون الشخص مقلداً لأهله ويحترف التسوّل، وقد اعتاد على هذا دون أن يخبره أحد بأن ذلك عيباً أو غير مقبول في المجتمع، فقد تربى على ذلك وعاش في بيئة دفعته للتسوّل، ويجب التنويه هنا إلى أنّ المتسوّل قد يسرق وقد ينهب فكل هذه الظواهر تتشابه في طريقة الحصول على المال.
في جميع الحالات يعتبر التسوّل مشكلة منبعها إمّا قلّة الوعي لدى فئة معينة من أفراد المجتمع، أو البطالة وعدم توفر أي عمل للشخص المتسوّل.
تختلف أوضاع وطرق التسول بين دول العالم ومدنه، ففي الهند مثلا هناك مدينة للمتسولين، لها قوانينها وشريعتها وطريقة العيش فيها، وفي البلاد العربية المسلمة منها يختار المتسولون أماكن العبادة والجوامع والأضرحة مكان لممارسة عملهم، وفي الدول الغربية تجد المتسولين في أنفاق المترو وقرب الساحات العامة والمتاحف يمارسون عملهم بطريقة أخرى من خلال العزف والغناء أو الرسم أو أعمال فنية أخرى.
وهناك بعض الباحثين يصورون من يعيش على المساعدات المحلية أو العالمية بالمتسولين، حتى بعض العاطلين الذي تستهويهم المعيشة على المساعدات المالية وما أن توفر لهم فرصة عمل حتى يعزفون عنها مفضلين ربما عيشة الكفاف على مساعدات تكفيهم لتوفير أدني حد لقوت يومهم.
ليس بالضرورة أن يكون المتسول معدما، فبعضهم قد أمتهن التسول ويجمع منه أكثر بكثير من قوت يومه، بل يصل به الأمر لتوظيف من يعمل لديه فيستأجر الأطفال والرضع والإكسسوار اللازم للتسول وحتى عمل عاهات صناعية أو دائمة لزوم العمل لمن يوظفهم، فهو بهذه الصورة يكون عملا إجراميا منظما (عصابات)، وهذا يفود الى وجود شبكات تعمل على إدارة ظاهرتَي التشرّد والتسوّل ونقل الأموال، فضلاً عن الاتجار بالبشر
أغلب دول العالم تمنع التسول وتكافحه بطرق مختلفة قد تفلح وقد تفشل، فالتسول غالبا ما يدفع إلى الجريمة وقد يكون بداية الطريق للانحراف.
منع الإسلام التسول وذم المتسولين إلا لحاجة محتمة كالفقر الشديد، أما إذا كان التسول للإستكثار والغنى فقد حرمه الإسلام لما فيه من أضرار على المجتمع وإستغلال للناس.
وفي حديث النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- عن الذي يتسول ومعه ما يكفيه من المال: (إِنَّهُ مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ قَالَ مَا يُغَدِّيهِ أَوْ يُعَشِّيهِ.
أما نهر السائل وزجره ومعاملته بتهكم وقسوة فقد منعه الإسلام حتى مع معرفة حال السائل، قال الله تعالي: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ  .
تقع المسؤولية في مشكلة التسوّل على عاتق بعض الجهات المسؤولة في الدولة عن مكافحة التسوّل وعدم وجود رقابة تحد من المتسوّلين وتردعهم بالسجن أو بالعقاب اللازم لذلك، وتقع المشكلة أيضاً على عتبة العائلة التي لم تربّي أبناءها على القيم والمبادئ، وتقع على عاتق الجهات المسؤولة عن توفير الضمان الاجتماعيّ للعائلات الفقيرة والمحتاجة والتي لا تملك أي وسيلة لتوفير احتياجاتها الأساسية من أجل العيش فتلجأ للتسوّل.
يعتبر التسوّل ظاهرة سيئة جداً إذ يتخلله الكذب والتظاهر بالعجز، ويعتبر هذا احتيالاً على الناس الذين يرق قلبهم وتساعد هذا المتسوّل بإعطائه بعض المال، ويرافق التسوّل أيضاً عرض الأطفال الصغار والرضع في عرض الطريق فيراهم الجميع بحالة بشعة ومهينة لهم، عدا عن استغلال بعض المتسوّلات النساء من قبل الآخرين، لذا فالتسوّل كلمة بسيطة حملت في مضمونها أشياء خطرة وتؤدي لعواقب وخيمة.
لكن هل يمكن حل مشكلة التسول؟، في تقديري (نظريا) يكمن الحل للتسوّل بإعطاء جرعات من الأخلاق وتعزيز مفهوم الكرامة الإنسانية لدى المتسوّلون، ويكون ذلك من خلال الجهات المسؤولة في الدولة بتجميع هؤلاء المتسوّلون ونشر الوعي بينهم، والحل الآخر (عمليا) يكون بالحد من التسوّل من خلال أجهزة الرقابة على الطرقات والشوارع في مختلف المناطق، وتوفير فرص العمل للأفراد حتى لا يلجأوا للتسوّل، و(تربويا) بزرع القيم في الأفراد منذ الصغر، ثم الوصول (قانونيا) بوضع عقوبات صارمة للمتسوّل إن كان اتخذ هذا الطريق كمهنة مدى الحياة مع العلم أنه قادر على العمل وكسب القوت بطرق أخرى سليمة، وعلينا أن نؤكد أن القوانين وحدها لا تكفي لتعديل سلوك الفرد، وأن السلطات بكل آلياتها من طرد المتسوّلين واعتقالهم وإبعادهم وتغريمهم لن تحل المشكلة حلا نهائيا جذريا.
معلوم أن التسول ظاهرة قبيحة تُسيء إلى سمعة المجتمع والدولة عموما، وتُعكر صفوه وتُشوه صورته، وتجعل المتسول يظهر بصورة المحتاج والذليل، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُذلّ المؤمن نفسه، قال صلى الهو عليه وسلم: (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ) أخرجه الترمذي.
وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من هذه المهنة ونفّر منها؛ لأن صاحبها يفقد كرامته في الدنيا ويسيء إلى آخرته؛ لما روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ).
وحرص الإسلام على حفظ كرامة الإنسان، وصون نفسه عن الابتذال والتعرض للإهانة والوقوف بمواقف الذل والهوان، فحذّر من التعرض للتسول الذي يتنافى مع الكرامة الإنسانية التي خصها الله تعالى للإنسان، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) الإسراء/17.
وكذلك حرّم الإسلام المسألة على كل مَن يملك ما يُغنيه عنها من مال أو قدرة على التكسب، سواء كان ما يسأله زكاة أو تطوعاً أو كفارة، ولا يحل للمتسول أخذه، قال الشبراملسي: «لو أظهر الفاقة وظنه الدافع متصفاً بها لم يملك ما أخذه؛ لأنه قبضه من غير رضا صاحبه، إذ لم يسمح له إلا على ظن الفاقة»، لقوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ) رواه مسلم، وعنه صلى الله عليه وسلم قال: (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ) رواه الترمذي.
فالمحترف لهذه المهنة القبيحة يأكل أموال الناس بالباطل، ويُطعم أبناءه سُحتاً، أي: مالاً حراماً.
ومما يسيء إلى صورة بلدنا أن نرى أطفالاً صغاراً ونساءً أُرسلوا إلى الإشارات الضوئية وإلى أبواب دور العبادات، وعاشوا في الشوارع حفاة، وبلباس مبتذل، يظهرون العوز والفاقة والكآبة ليستدروا عواطف الناس، وأنهم ما أخرجهم من بيوتهم إلا الجوع.
وقد عالج الإسلام هذه الظاهرة المسيئة بتحريم التسول، والحض على العمل والإنتاج، وجعل أفضل ما يأكل الرجل من كسب يده؛ لقول صلى الله عليه وسلم: (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) رواه البخاري .
فالمتسول يأخذ أموال الناس بغير حق وسيسأل عنها أمام الله عز وجل، وقد اعتبر القانون السوداني التسول بغير سبب مشروع جريمة يستحق صاحبها العقاب عليها؛ لأنه أكل لأموال الناس بالباطل، ووسيلة من وسائل التحايل على الناس، وكذلك لا ينبغي تشجيع هؤلاء بالتصدق عليهم، كما ينبغي نصحهم ووعظهم؛ كي لا يأكلوا أموال الناس بالباطل.

 

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

hala ali
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الصور

اعلانات اخبار اليوم