الأثنين, 27 يناير 2020 10:06 مساءً 0 22 0
سَبـر غَــوْر
سَبـر غَــوْر
سَبـر غَــوْر


محمـد حمـزة
صباح خير فوق أراضيهو...
سياحة في حقل مزارع (1 )

منذ زمن بعيد ونحن يُفَّعٌ نتلمس خطانا نحو العلم ونتحسس درجات السلم التعليمي المؤسس على منهج متين آنذاك كنت مغرماً بحفظ الأناشيد وترديدها وكم كان يسبيني نشيد المزارع في الصف الخامس الابتدائي للشاعر اللبناني الياس ابو شبكة (زارع الحقل في البكور عيشك الدهر أخضر .... سيد المنجل الحقير انت للناس سيد .. من ذراعيك للفقير حبة القمح تولد) .. ولكن ومنذ تلكم الفترة وحتى أكملت درجات ذاك السلم، لم أجد شاعراً واحداً أنصف المزارع وكتب عنه بعمق لاسيما مزارعي بلادي، غير الشاعر الجميل جداً، الاستاذ محمد احمد الحبيب في خالدته (صباح خير فوق أراضيهو)، والتي سكب فيها مزيج الخلود من كأس فنه المعتق بروح المزارع الأديب فكانت لوحة فنية ليس لها مثيل :
(صباح خير فوق أراضيهو اذا إحتج لاتزعل
إنت لاك طورية في إيدو ولاك زمن الحصاد مُنجل.) ..
عبارة (صباح خير) عميقة جدا وهي موروث خطابي أدبي منذ الأزل في المنطقة  تناقلتها الناس جيلاً بعد جيل، وهي تعبير ينم عن أدب جم من قائله وهيبةً واحتراماً و وقاراً للموصوف بها، اذاً فحق للشاعر الحبيب ان يبدأ بها هذه الرقعة الفنية البديعة ويخلد بها رسول الخير والعطاء والنماء (المزارع) ليؤازره في احتجاجه على ظلم وقع عليه لحظات جشع في زمن غابر من الحكومة التي أرادت ان تستولي على ثُلث ما ينتجه هذا المزارع المسكين، فيرد بقوة وحزم على جامع الضرائب : (انت لاك طورية في ايدو ولاك زمن الحصاد منجل) .. في كناية مُفحِمة بدرس بليغ عن عدم دعم الحكومة لهذا المزارع بأدنى شئ، وان كل ما يقوم به ما هو الا مجهود خاص به. ثم ينتقل الشاعر من هذه اللحظة الانفعالية بثبات عظيم ليصف لنا هذا (الصباح خير)، بخبرة المزارع الأديب فيقول :
(فصيح ان دار يناضِم الطير سكوت للفارغة مابيعجل
يشيل واجبو وبلاتقصير يقومبو علي الوش الأكمل) ..
وهو بهذا يحذر جامع هذه الضريبة اللعينة ان هذا المزارع لا يستهان به، فهو يعرف يجادل دفاعا عن نفسه وتثبيتا لحقه، وانه لا يضيع وقته فيما لا جدوى منه كي يقوم بعمله على أكمل وجه. وأنه :
(يحب كرم الضعيف والضيف يسايرو ويبني مُستقبل
وما بيرضى الهوان في يوم ولا ان دعت الظروف يَقبل) ..  وهنا يأتي دور  إبراز الصفات الحميدة للمزارع وأولها (الكرم) الفياض الأصيل الذي يساوي فيه بين كل طبقات البشر ضعيفاً معدماً كان أو ضيفاً مهندماً. ثم الصفة الحميدة الثانية (عزة النفس) وهي صفة ملازمة للكرم فالكريم دائما عزيز النفس حتى وان اجبرته ظروفٌ مثل هذا التعدي على حصاده من قِبَلِ القوي، فلن  يقبل بها ولن يستكين لها. ثم تأتي ثالثة الصفات الحميدة ورابعتها وخامستها  في سياق جميل مختصر  :
(قنوعاً مابيهزو قليل بسيط المأوى والمأكل
يقابلك بي وشِي المطروح حبابك ومرحب اتفضل) .. فما دام هذا المزارع كريماً وعزيز النفس، فلا مناص من ان تأتي القناعة إذ هي الصفة الثالثة التي يتحلى بها هذا المزارع حيث الرضا بالقليل الذي يجلبه له كَدُّ يده، ثم تأتي الصفة الرابعة وهي التواضع  في بساطة مشربه ومأكله ثم صفة خامسة وهي (البشاشة) البادية علي الوجه وطلاقته في مقابلة الناس ومعاشرتهم. ثم ينقلنا الشاعر إلى صور ومشاهد في غاية الجمال يصف لنا بها طريقة حياة هذا المزارع الأصيل وهي :
(غسيلو علي ضِفاف النيـل عطورو من الأريج والطل
ظلال شجر السُنط هُوتيل مرايتو الموية في الجدول) .. وهنا تحديداً لكأني بالشاعر يريد أن يوجه رسالة قوية المضمون الى مندوب الظلم جامع الضرائب  من هذا المزارع المُحتج، مفادها ان تكاليف حياة هذا المزارع هي في غاية البساطة، وكلها من صميم بيئته من ملبس ومسكن إلى أدق تفاصيله فلماذا تقاسمونه حصاده !؟ وهذا بالتأكيد  لن ينسينا جمال أسلوب الشاعر ودقة وصفه للطبيعة الخلابة التي ينعم بها هذا المزارع  في المقطعين أعلاه بطريقة تجعلك تحدث نفسك في اليوم الف مرة لترجع إلى بلدك وتعيش تلك الحياة الهانئة، حتى وإن كنت سفيراً يجوب الأرجاء ! حيث الاتكاءة في ظل ظليل لأشجار وارفة والنهر يجري من تحتك في نعيم مقيم حتى حين. وهذا (لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد) ... يتبع ..
 لنكمل ما تبقى ان شاء الله.

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

nadir halfawe
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الصور

اعلانات اخبار اليوم