الثلاثاء, 28 يناير 2020 02:14 مساءً 0 148 0
همس الخواطر
 همس  الخواطر

د.فطمة عبدالله

أمي بتقول لي مالك بتتمحرك ؟

استمتعت جدا بمشاهدة فيديو على قناة في اليوتيوب (جر هوا) ، كانت تسأل مجموعة من طلاب الجامعة عن بعض أشياء من التراث السوداني ، تتعلق بأدوات (عواسة الكسرة) .
الأسئلة كانت تراثية جدا قد يجهلها حتى أبناء الريف ، وبالطبع فإن أغلب الشباب لم يسمعوا عنها ولم يعرفوها ، ولكن الطريف جدا والمضحك هو إجاباتهم على الأسئلة.
سأل المذيع عن (الدوكة) -إناء مسطح مصنوع من الفخار كان يستخدم قديما لعواسة الكسرة - الإجابات كانت كالآتي : الدوكة حاجة بياكلوها .. الدوكة : تعني أدوك قروش ، الدوكة : تعني الدوخة .. الدوكة : نوع من الموسيقى ..الدوكة : هي المفراكة .
السؤال الثاني كان عن (الطايوق ) - وهو النخاع الشوكي للحيوان يمسح به صاج الكسرة قبل العواسة - وكانت الأجابات كالآتي : أنه اسم الكسرة بالحبشي .. أو السيخة .
وجاء الرد على السؤال عن (المعراكة ) - قطعة من القماش ينظف بها صاج العواسة - أنها شيئ يستخدم ( للعروكة ) .. أو هي شيئ مثل الكوريك ..
بعضهم سمع (المعراكة) (محراكة) فسألهم المذيع عنها ، فكان الرد طريفا جدا من طالب ذكر أن والدته بتقول ليهو لما يتأخر : (مالك بتتمحرك ؟) لذا هو يعتقد أنها حاجة (بسوطو) بيها (الملاح) التقيل .
أما الرد على سؤال ( الريكة) _ طبق يصنع من السعف لوضع الكسرة عليه - فكان : أنها تعني زول ركيك ، إجابة أخرى : أنها حاجة مسننة زي السكين من اسمها حسب تخيلي التراثي . واحدة من الطالبات طلبت من المذيع أن يضعها لها في جملة مفيدة ، فقال لها : وضعنا الكسرة في الريكة ، فكان ردها أنها تعتقد أنها نكهة طعم (للملاح) .
خرج المذيع عن إطار الكسرة فسأل عن (التبروقة) - حصير من السعف يستخدم للصلاة - وكانت الإجابات تواليا : أنها حاجة بتبرق ، عشب ، طائر ، قربة موية للتبريد ، قماش للغطاء ، الإسم التاني لملاح التقلية ، بهار ، روب .
أما السؤال عن (الطاقة) - فتحة صغيرة في الحائط أصغر من النافذة - أتت الإجابات: أنها طاقة المتر من القماش ، انها حاجة بطقو بيها الزول البغلط .
بعد سماع هذه الإجابات الطريفة اغتنمتها فرصة لأختبر أولادي عن هذه المصطلحات التراثية ، أكبر أولادي عرف معنى (الطاقة ) فقط وفشل في معرفة البقية ، وإخوته فشلوا فيها جميعا ، وكانت فرصة لنتدارس الكثير من الأشياء والأسماء التراثية ..
جيل اليوم لا يمكن أن يعرف عن تراثيات لم يرها ولا سمع عنها ، وخاصة اذا كان يعيش في بيئة بعيدة منها ، فلا يلام على عدم معرفتها ، ولكننا نلام على تقصيرنا بتعريف أولادنا بها وخاصة بالتي ما زالت مستمرة حتى الآن وبنفس المسميات .
التراث يحتل مكانة مهمة في ذاكرة الشعوب ، فهو يحكي عن طريقة حياة مارسها من قبلنا ، وكانت تمثل قيمة حضارية تتفاوت من منطقة لأخرى ، بعضها اختفى بشكل نهائي مع تطور الحياة وظهور وسائل أسهل وأسرع .
مشقة بعض وسائل التراثيات تجعلنا نشعر بالإشفاق على نساء في زمن مضى كن يبذلن كثير من الجهد والوقت في طحن الذرة أو القمح على (المحراكة) ونحمدالله أن يسر لنا طرقا أسهل في طحن الدقيق وصنع الكسرة التي كانت حبوباتتا تتعب في جلب الحطب ( لعواستها ) .
بعض التراث استمر بأشكال مختلفة ، فاستبدلنا (الدوكة) بالصاج الكهربائي والتيفال ، فتحولت (العواسة) من العسر إلى اليسر ، ومن دخان الحطب إلى الغاز . وبقيت مصطلحات (المعراكة) و(الطايوق ) و (الريكة) تقاوم الإندثار فحافظنا عليها بحفاظنا على أكل الكسرة التي لم يزحزحها أكل الرغيف عن مكانتها ومحبتها عند غالب أهل السودان .
التراث هو الحضارة القيمة لكل بلد ، والتعريف به هو تعريف بالإنسان الذي ظل يتطور حتى وصل بنا إلى ما نحن عليه الآن ، ورغم أن جيل اليوم لا يعرف كثير من مسميات تراثيات الأمس إلا أنه الجيل (الراكب راس) الذي يمثل معظم تعداد هذا البلد ، وهو الذي نراهن عليه ليصل بالبلد إلى حيث نريد ويريد .. وسيفعل إذا وجد الرعاية والإهتمام الذي يستحقه ، والقيادة الرشيدة المستنيرة التي تدعمه وتقوده .

 

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

مسئول أول
المدير العام
مسئول الموقع

sss

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الصور

الكاريكاتير