الاربعاء, 12 فبراير 2020 03:34 مساءً 0 128 0
مقال
مقال

د.الوليد مبارك ابراهيم

هل خيار تسقط تالت هو الحل ؟ ..

لن أعلق على حلول الأزمات التي تمسك بخناق الناس الآن و تقف امامها حكومة الثورة عاجزة عن فعل شئ ايجابي واضح ..
لكن اريد التعليق على حالة الأحباط العام التي تعتري المواطن و هو من كان يمنّي النفس بتبدل الحال بعد انتصار الثورة و الوصول للحكومة المدنية ..
حالة الاحباط و الغضب و اليأس مفهومة و مقدّرة خصوصا عند الناس الواطين جمر المعاناة و مكتوين بلهب شطف العيش و سوء الخدمات و الغلاء و ازمات انعدام أهم سلع حياتهم .. و لا يسعنا الا أن نتعاطف معهم في محنتهم هذه و نتمنى أن تستطيع الحكومة التغلب على التحديات الجسام التي تجواجهها على العديد من الجبهات..
لكن .. من ناحية أخرى على الناس ان تحاول وضع الصورة  في إطارها الصحيح و تقيم الواقع من خلال قراءة حصيفة و متأنية لأحوال ما بعد سقوط البشير و نظامه السياسي .. و أقول السياسي هنا لأن ما سقط حقيقة هو الشكل السياسي الهرمي لنظام الانقاذ .. أما نظام الانقاذ الاقتصادي الاجتماعي الثقافي فما زال متغلغلا في كل مفاصل الدولة .. و اذا كان النظام السياسي لعصابة الانقاذ قد سقط بفعل الثورة المباشر في منازلة هذا النظام في الشوارع و امام القيادة العامة ، فان سقوط نظامه الاقتصادي الاجتماعي الثقافي يحتاج لما هو أكثر من الخروج للشوارع و الاضرابات و ترديد الهتافات و منازلة الكجر و زبانية الأمن ..
في هذه المرحلة من مراحل الثورة نحتاج الى ثورة الوعي و المفاهيم .. نحتاج أن نفهم أن ما كل مشكلة او تحدي يجابه الثورة تكون وسيلة مجابهته هي الخروج للشارع و تسيير المسيرات .. نحتاج ان نفهم أن الثورة مراحل .. و اذا كانت مرحلة اسقاط النظام قد تمت عن طريق الخروج للشارع و منازلة بطش النظام بالمواجهة السلمية و الحشد و التعبئة الجماهيرية لتسيير المليونيات .. فان مرحلة ما بعد اسقاط النظام السياسي تحتاج الى تحول نوعي في ديناميكية الثورة .. فإذا كان نظام الانقاذ وجب اسقاطه بكل ثمن فإن الحكومة الانتقالية هي حكومة الثورة بكل عيوبها و ضعفها و تشوهاتها الخلقية و وجود عساكر الانقاذ في عضم هيكلها .. و لذلك و رغم كل هذه المثالب فإنه يجب الحفاظ عليها متماسكة و محاولة سندها و تصحيح ما اعوج من مسارها .. لأن البديل الآخر المتربص بالثورة هو نفس البديل الذي بذلنا الغالي و النفيس لاسقاطه .. و لذلك علينا أن نعي أن اسقاط حكومة الثورة الانتقالية عواقبه وخيمة على الثورة .. و لا يجب أن يسيطر علينا الشعور بالاحباط لهدم ما بنيناه بتضحياتنا و دمائنا و دموعنا و آلامنا .. فليس كل مشكلة حلها في مليونية تخرج للشوارع .. و ليس كل أزمة نواجهها عن طريق المسيرات و الاضرابات ..
نعم الحكومة ضعيفة في كوادرها و خبراتها .. و مكبلة بقيود وثيقة دستورية عرجاء .. و يجلس على رأسها عساكر من نظام الانقاذ الهالكة بعضهم متهم بالابادة الجماعية و بمجزرة القيادة و قمع الثورة السودانية في شهورها الأولى .. و تجابه تركة مثقلة من حطام دولة دمرها الكيزان حتى لم يبق فيها مرفق او مؤسسة او مشروع يمكن أن يعتمد عليه .. و تواجه دولة عميقة تمسك بمفاصل الاقتصاد و تعمل بشراسة للحفاظ على مصالحها و امتيازاتها و لها مصلحة مباشرة في شيطنة حكومة الثورة و تعويق مسارها عن طريق تخريب ما تحاول الحكومة اصلاحه..  و ما ازمات الخبز و المحروقات و الدولار و ارتفاع الاسعار الا بعض من جهود قوى الثورة المضادة لتأليب الناس على حكومتهم حتى يسقطوا و يهدموا ما ضحوا لإنجازه حتى ينفتح الطريق أمام هذه القوى للعودة بجلود جديدة و اشكال متغيرة لاستلام مفاتيح البلد من جديد ..
اذن علينا ان نعي أن معادلة الصراع في هذه المرحلة هي معادلة صفرية .. بمعنى ان كل ما يصب و يدعم و يقوي حكومة الثورة فهو يضعف و يشل و ينزع مفاتيح الثورة المضادة و العكس صحيح .. فعلينا ان لا نمهد السبل و نعبّد الطرق لعودة النظام القديم باشكاله الملتوية المتخفّية .. و علينا أن نعلم أن تنظيم الصفوف و العمل من داخل مؤسساتنا السياسية و قوى الحرية و التغيير برغم عيوبها و رأينا في أدائها بدلا من شيطنتها و توجيه الاتهامات غير المؤسسة لها بالتمكين و سرقة الثورة و ما شابه من إتهامات تصب في مصلحة الثورة المضادة و تقدم لها خدمات مجانية لا تحلم بها .. علينا تكثيف العمل في داخل الاحياء و المدن عبر لجان المقاومة و مد يد العون للحكومة و ممارسة الرقابة على المجتمع لان ذلك أهم و أجدى من المسيرات و المليونيات .. لاننا حتى و ان كان لنا رأي في الحكومة فلا بد من دعمها في هذه المرحلة حتى ننتقل الي المرحلة التالية ..
إن من الوهم المحض السعي وراء خيار (تسقط تالت) ..  لأن المشهد السياسي مختلف شكلا و مضمونا عن المشهد ما قبل أبريل 2019 .. و لأن اسقاط الحكومة التي أتت بها الثورة عن طرق الثورة عليها هو أمر لا يستقيم عقلا لأن معطيات الواقع لا تسند هذا المنطق المقلوب ..  و لأن سقوط الحكومة الحالية دون ان تدري ما هو قادم بعد خلق هذا الفراغ سيكون خيارا كارثيا بكل المقاييس.

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

مسئول أول
المدير العام
مسئول الموقع

sss

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الصور

الكاريكاتير