الأحد, 16 فبراير 2020 02:04 مساءً 0 120 0
المتاريس
المتاريس

 الأسد الانفضح

علاء الدين محمد أبكر

لم يدر بخلد ﺍﻟﺸﺎﻋﺮﺓ ﺯﻳﻨﺐ بت ﺑﺎﺑﻜﺮ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺸﻮﺑﻠﻲ التي ﺃﻟﻔﺖ قصيدة ﻓﻲ مدح ﺟﺪﻫﺎ ﺑﺎﺑﻜﺮ ﺿﺤﻮﻱ حيث تصفه فيها بالأسد، أن يأتي يوم وينتهي الأمر بذلك الأسد حبيسًا في قفص من حديد في حديقة القرشي بالخرطوم جائع لا حول له ولا قوّة، لا يستطيع حتى الحراك، فقد صار حال القط أفضل منه، كان الأسد منذ قديم الزمان مضرب الأمثال في القوة والهيبة والشراسة، وكثيرًا ما اطلق اسمه على الأبطال والشجعان اقتباسًا من شخصيته الجبارة، فنجد في صدر الإسلام أن أشهر من نال نصيبًا في التشبه بالأسد كناية عن الشجاعة في الحروب سيدنا حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء وعم الرسول صل الله عليه وسلم، حيث نظم فيه المادح الشهير السوداني حاج الماحي قصيدة جميلة وأبدع في وصف بطولة سيدنا حمزة وكيف كان يقاتل مثل الأسد الهصور يصول ويجول في أرض المعركة مدافعًا عن الرسول(صل الله عليه وسلم، مجندلًا للكفار حيث جاءت كلمات حاج ود الماحي تقول في مطلع القصيدة :
أسد الله البضرع ينهر في المجمع كم عوقا في سراع
 من شوفتو اتفرزع
لم يتخلف الإنجليز عن الركب فبرز اسم أشهر ملوكهم  ريتشارد الذي اشتهر إبان الحروب الصليبية حيث نال لقب قلب الأسد، والوصف نفسه انطبق على السلطان السلجوقي ألب أرسلان واسمه  محمد، وألب أرسلان تعني الأسد الشجاع، حيث استطاع قيادة المسلمين في معركة ملاذكرد وانتصر فيها.
 الأسد هو ملك الغابة ومعروف بقوته وشجاعته الشديدة التي لا نجدها في أي حيوان آخر، وله العديد من الصفات التي تميزه عن غيره من الحيوانات، فيمتاز بالجسارة والشجاعة وتقدير الشريك بشكل كبير. إضافة إلى قوة أنثى الأسد وذكائها والتحلي بصفة العفة والكرامة والرحمة والعطف وجمال الشكل وحماية العشيرة وعزة النفس، فالأسد هو الحيوان الوحيد الذي لا يأكل فضلات طعام الغير، حيث تتولى الأنثى عملية الصيد وإطعام زوجها الأسد الذي يقضي جل اليوم في النوم أو الطواف حول عرينه حارسًا الأشبال من الأعداء لذلك أطلق عليه العرب العديد من الأسماء لا تحصى منها (بَبِر، بَيْهَس، جَسَّاس، حَطَّام، حَيْدَر، خَبُور، خُنَافِس، دِرْوَاس(.
وفي السودان نال الأسد نصيبًا كبيرًا من المدح والوصف وله أسماء باللهجة المحلية الشعبية منها (التلب، اللحو، الدود) حيث اشتهر الفنان الراحل سيد خليفة بترديد أغنية حماسية تحمل اسم الدود تقول الكلمات :
قـالو الــدود قرقر حبس الدرب
الليله الدود قرقـر حبس الدرب
الدود يا عيـال مطر الخلا الهرّاج
الدود يـا عيال كم درّج المحتاج
 فلا عجب أن ينال الأسد تلك المرتبة الرفيعة في أوصاف الشجاعة والإقدام في الشعر الشعبي، حيث نجد ﺍﻟﺸﺎﻋﺮﺓ ﺯﻳﻨﺐ ﺑﺎﺑﻜﺮ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺸﻮﺑﻠﻲ ﺃﻟﻔﺖ قصيدة ﻓﻲ ﺟﺪﻫﺎ ﺑﺎﺑﻜﺮ ﺿﺤﻮﻱ تصفه فيها بالأسد خاصة في هذا الشطر الذي تقول فيه:
ﻳﺎﺑﻨﻴﺔ ﺟﺮﻱ ﺍﻟﻘﺪﺡ ﻟلأﺳﺪ
ﺍﻟﻤﺎ ﺍﻧﻔﻀﺢ
أﺑﻮﻱ ﻣﻤﺎ ﻗﺎﻡ ﻗﺮﺡ ﺑﺤﺮ
ﺍﻟﻤﺎﻟﺢ ﻃﻤﺢ
ﻳﺎﺑﻨﻴﺔ ﺟﺮﻱ ﺍﻟﻜﻼﻡ لﻟأﺳﺪ
ﺍﻟﻔﻲ ﺍﻟﻤﻠﻢ
كان ذلك في الفخر بالكرم, وأما بالنسبة للشجاع فنجد الشاعرة رقية بت حبوبة في مرثية أخيها عبد القادر ود حبوبة حيث تصف أخيها بالأسد فتقول في القصيدة :
بتريد اللطام أسد الكداد الزام هزيت البلد من اليمن  للشام
كان ذلك حال الأسد في الماضي هيبة وفخر، ولكن بعد منظر الأسود الجائعة في حديقة القرشي في الخرطوم زال كل وصف جميل قيل في الأسد، حيث ظهرت الأسود السودانية هزيلة لا تستطيع حتى الوقف، وانتشرت صورها في كل أنحاء العالم في وقت قصير وذلك بفضل منصات التواصل الاجتماعي وكما قيل (زمن الدسدسة والغتغيت انتهى) والعالم صار قرية صغيرة  فمنظر الأسود الجائعة بلا شك سوف يخصم كثيرًا من سمعة الشعب السوداني وكل الكلمات التي تغزلت في السودان ذلك البلد الغني بالخيرات الذي قال فيه الشاعر إسماعيل حسن:
بلادي أنا بلاد ناس يكرموا الضيف وحتى الطير يجيها جيعان
ولكن الحقيقة المرة هي أن الأسود ليست وحدها من تعاني من الجوع والهزال وسوء التغذية فمعظم الشعب السوداني نادر ما يشبع من جوع وأحيانًا تمر أيام على السوداني لا يأكل إلا الفول صباحاً ومساءً حيث تنعدم الوجبة الوسطى التي كانت تعرف زمااااان بالغداء والتي غابت عن قاموس معظم الأسر السودانية إلا من ندر من أصحاب الدخل الطيب.
فنحن شعب لم نستفد من خيرات الوطن الذي كان يوصف في الماضي بأنه سلة غذاء العالم، وتجد المواطن يعاني في الحصول على الطعام إلا بعد مشقة، ولا تستطيع شراء الخبز إلا بعد الوقوف في الصفوف لفترة طويلة، فالسودان بلد التناقض يملك أكبر الأنهار في العالم وتجد أزمة في مياه الشرب في مناطق لا تبعد عن النهر إلا ساعة، وارتفاع في أسعار الأسماك، في وطن تنتشر فيها أنهار تجري على طول البلاد وعرضها والمفارقة الأخرى هي في مساحة البلاد التي تفوق في الحجم ربع قارة أوربا الغربية وبعد ذلك تجد مشكلة كبيرة في الحصول على سكن حتى عزف الكثير من الشباب عن الزواج بسبب صعوبة الحصول على قطعة أرض وهناك من يتمنى أن يحصل على أرض ولو كانت في رأس الجبل. الكثير من التناقضات لا توجد إلا في السودان، بلد تعاني أسوده من عدم توافر الطعام بلا شك شعبه يعاني هو كذلك، والمثل الشعبي يقول (لو الزاد ما كفى أهل الدار يحرم على الأسود أقصد الجيران).
نعم عم الحزن جميع أصقاع الكرة الأرضية بعد مشاهدتهم لمنظر الأسود السودانية الهزيلة، ولكن كيف ستكون ردة فعلهم إذا كشف لهم أقرب مواطن عما تحت قميصه ليشاهدوا.. ضلوعًا بارزة من شدة الجوع والفقر وقديمًا قال الشاعر:
 إذا رأيت أنياب الليث بارزة *  فلا تحسبن أن الليث يبتسم
المواطن السوداني لا يشبع من اللحوم إلا عند حلول عيد الأضحى أو عند إقامة مناسبة اجتماعية رغم أن تعداد الثروة الحيوانية يفوق عدد سكان البلاد، ولسان حال الأسد الجائع في حديقة القرشي في الخرطوم يقول:
 مرفعينين ضبلان وهازل، شقوا بَطن الأسد المُنازل
بالتأكيد إذا تركت هذه الأسود في الغابة حرة طليقة فلن يصعب عليها إيجاد الطعام ولكن الإنسان تسلط عليها وحبسها في الأقفاص الحديدية فلا وفر لها الطعام ولا أطلق سراحها لتعود أدرجها إلى الغابة التي احتكرها الإنسان لنفسه لتكون منبرًا يتحدث فيه بلغة السلاح حينما يشعر بأن حقوقه المشروعة قد سلبت منه، وبعد نشر صور الأسود الجائعة التي انتشرت حول العالم نعتذر للشاعرة زينب بت الشوبلي التي كانت تصف جدها بأنه الأسد الما انفضح عندما يجر له القدح.
 نعتذر لك يا بنت الشوبلي على عدم المحافظة على كلامك (السمح) في حق الأسد الذي جاع بين أرض النيلين، ونقول بكل صراحة يا بنية الأسد الليلة انفضح.
ترس أخير
يا صوتها ..
لما سرى ...
مثل الحريرِ نعومةً
ونداوةً .. وتكسُّرا
مثل الصباحِ
طلاقةً .. ورشاقةً وتبختُرا
وتدفقت كلماتها ..
عطراً ندياً عنبرا
نرسل التهانئ إلى الأستاذة إخلاص علي محمد أبوزيد بإذاعة الصحة والحياة وإذاعة الكوثر بعد تكريمها من مجموعة (قلوبنا لكم)  بمناسبة اليوم العالمي للإذاعة ومزيدًا من التقدم والازدهار، وسبق أن  تطرقت للكتابة عنها وهي مثال للأداء الجاد والمسؤول، وقد تألقت الأستاذة إخلاص في تقديم فعاليات برامج عن ثورة ديسمبر المجيدة عبر أثير إذاعة الصحة والحياة، وقلنا إن مكانها الإذاعة أو التلفزيون القومي.

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

hala ali
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

sss

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الصور

الكاريكاتير

خبر عاجل تاور:لا إصابة جديدة او حالة اشتباه بفيروس كورونا اليوم وخيارات للإغلاق الكامل