الاربعاء, 04 مارس 2020 01:47 مساءً 0 152 0
للجميع فقط
للجميع فقط

بقلم : أحمد مجذوب المبارك الشريف

استراتيجية الرقابة لمكافحة الفساد (5)

المعوقات و العقبات المتوقعة
من المشاكل التي أصبحت مستعصية وتهدد حاضر الشعوب ومستقبلها مشكلة الفساد المالي والإداري، وقد تميزت خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بندرة حالات الفساد، وهذا رجع الى الأساليب التي اتبعتها حكومة عمر رضي الله عنه في النأي عن الفساد بكل اشكاله، حيث أن الخليفة عمر كان يهتم بالرقابة الوقائية لكي يعالج الخطأ قبل وقوعه وكان يحاسب نفسه قبل أن يحاسب الناس، وكان قوام سيرته في إدارة الدولة هي الخشية من الله سبحانه وتعالى والإحساس بأنه ليس له ولولاته حق في أموال المسلمين أكثر من حق المسلمين. وكان عمر رضي الله عنه لا يولي من الرجال إلا من ثبتت أمانته ونزاهته وكفاءته، ولا يكتفي بحسن الاختيار فقط بل بتعقب سيرة الولاة أثناء الولاية ليعرف مدى التزامهم بالمبادئ التي ولاهم على أساسها. ويحصي أموالهم قبل الولاية وبعد نهاية الولاية ليعرف مدى إثرائهم من المنصب. وكان عمر يطلب من عماله الإفصاح عن مصادر أموال الدولة وطريقة جبايتها. وكانت مساءلة عمر هي الرقيب على عمل الولاة والمانع ضد وقوع الفساد. فعلى الحاكم الذي يريد مكافحة الفساد المالي والإداري أن يبدأ بنفسه أولا فيعفها وأن يمنع أهله وحاشيته وأقاربه من التقرب من مواطن الفساد لكي لا يتجرأ بقية الرعية على التقرب من الفساد.
ولتوضيح دور المجلس الأعلى للرقابة  أكثر، لنأخذ على سبيل المثال حالات الاختلاس في الجهات الحكومية، فمن الضروري هنا رصد حالات الاختلاس من خلال الجهات المختصة، مثل الحالات التي تم أوسيتم اكتشافها من قبل الأجهزة الرقابية، والقضايا الخاصة والموجودة في المحاكم، وكذلك القضايا التي تم التحقيق فيها، بالإضافة إلى ما يكتب في الوسائل الإعلامية، وبناءً على هذه المعلومات يتم التعرّف إلى نوع الوظيفة التي يشغلها من يقومون بعمليات الاختلاس، وتحديد المسؤوليات والصلاحيات الممنوحة لهم، ومعرفة معايير وإجراءات الأعمال التي يقومون بها، وتحديد آليات وضوابط المساءلة التي تخضع لها الجهات التي حدثت فيها عمليات الاختلاس، كما يدخل أيضاً في عملية التحليل والرصد، عملية فحص نظم الرواتب والأجور والحوافز، وأسلوب تقييم أداء العاملين في هذه الجهات، وأسلوب اختيارهم وترقيتهم، وأنماط الإشراف والقيادة التي يخضعون لها بالإضافة إلى تحديد كيفية حدوث عملية الاختلاس سواء كانت بسبب وجود ثغرات رقابية أو فنية أو قانونية.
ونقيس على حالات الاختلاس باقي أشكال وأنماط الفساد الأخرى مثل التزوير والرشوة، واستغلال النفوذ وإساءة استعمال السلطة، والتلاعب باشتراطات رقابية على مواصفات سلعية أو متعلقة بإنشاء مشروعات إنتاجية أو خدمية. هذا فيما يتعلق بدور المجلس الأعلى للرقابة بشكل عام ومختصر، وبالطبع هناك مهام وأدوار أخرى لها، لا يتسع المجال للحديث عنها وخاصةً فيما يتعلق بعملية قياس الفساد، والتي عن طريقها يمكن التعرف على نوعية وحجم ظواهر الفساد وشدتها ودرجة تغلغلها قطاعياً وهيكلياً، وبالتالي إمكانية متابعة تطورها ومقارنتها داخلياً وخارجياً.
بالتالى يجب أن يطلع الجهازالأعلى للرقابة بالآتي لتحقيق الهدف من إنشاءه:
• التحري عن أوجه الفساد المالي والإداري المتعلقة بالشأن العام ومصالح المواطنين في الجهات وكل القطاعات الإدارية بدءا من الوزارة نفسها، واتخاذ الإجراءات النظامية اللازمة في شأن ما يتبين أنه ينطوي على فساد أو أنه أبرم أو يجري تنفيذه بالمخالفة لأحكام الأنظمة واللوائح النافذة.
• إحالة المخالفات والتجاوزات المتعلقة بالفساد المالي والإداري عند اكتشافها إلى الجهات المختصة (النيابة والشرطة) كجهات للتحقيق بحسب الأحوال، مع إبلاغ رئيس الجهة - التي يتبعها الموظف المخالف - بذلك، وللجهاز الاطلاع على مجريات التحقيق ومتابعة سير الإجراءات في هذا الشأن، وله أن يطلب من الجهات المعنية اتخاذ التدابير الاحترازية أو التحفظية - وفقاً لما يقضي به النظام - في شأن من توافرت أدلة أو قرائن على ارتكابه أفعالاً تدخل في مفهوم الفساد. وفي جميع الأحوال، إذا رأي المجلس الأعلى للرقابة أن تلك المخالفات والتجاوزات تمثل بعداً مؤسسياً لأي من الجهات المشمولة باختصاصات المجلس؛ فعليه رفع الأمر إلى الرئيس لاتخاذ ما يراه.
• العمل على تحقيق الأهداف الواردة في الاستراتيجية العامة للدولة لحماية المال العام ومكافحة الفساد، ومتابعة تنفيذها مع الجهات المعنية، ورصد نتائجها وتقويمها ومراجعتها، ووضع برامج عملها وآليات تطبيقها.
• تشجيع جهود القطاعين العام والخاص على تبني خطط وبرامج لحماية المال العام ومكافحة الفساد، ومتابعة تنفيذها وتقويم نتائجها.
معوقات وعقبات متوقعة:
حتى تتحقق الأبعاد و تضيق الدوائر على أصحاب الغرض و الهوي (المفسدين) يجب على الدولة أن تشدد وبحزم لمواجهة الفساد بشتى أنواعه ومجالاته بفرض المحاسبة والمساءلة على الجميع دون حصانة لأحد مهما كان وضعه ومكانته، وذلك بمعالجة المعوقات التي يمكن أن تعترض و تمنع الأجهزة الرقابية وتؤثر في مهام الأجهزة الرقابية بجميع مسمايتها واختصاصاتها طالما أنها تتبع للمجلس الأعلى للرقابة،  حيث من المتوقع كثيراً أن ترجع الأجهزة الرقابية المعنية الصعوبات المفترضة التي يمكن أن تحول دون أداء مهامها إلى عدم تعاون القطاعات الحكومية المشمولة برقابتها بعدم تمكينها من ممارسة عملها، وتجاهل الوزراء والمسوؤلين ببعض أو كل الجهات لملاحظات الرقابة وعدم محاسبة المقصرين وقد تشتكي تلك الأجهزة من تأخر وتعثر أنظمتها، هذا هو (المتوقع) كعقبات تحول دون أن يقوم المجلس بمهامه ووضع العقبات والمتاريس أمامه.
يظل دائما الأهم (المساءلة ومن ثم المحاسبة) ْ فغياب هذه المبادئ الأساسية أو إستخدامها دون عدل وشفافية ستكون أهم معوق لآداء المجلس الأعلى للرقابة بل وفشله غالبا ، وهو المتوقع من عدم قيام بعض أو كل الوزراء والمسؤولين بتنفيذ ما يطلبه المجلس فيما يختص بإجراء التحقيق في الملاحظات والمخالفات المرصودة وهو ما سيؤدي إلى تعطيل تسوية المخالفات ومجازاة ومحاسبة المسؤولين عنها، كما سيؤدى تكرار عدم الالتزام بتطبيق الجزاءات على المخالفين، إلى الحد والتقليل من هيبة المجلس الأعلى للرقابة.
وعليه فإن تسريع البت في قضايا الفساد لدى جهات التحقيق، حيث معلوم أن طبيعة جرائم الفساد وتشابكها يتطلب سرعة إنهاء إجراءات التحقيق لمنع المفسدين من إخفاء جرائمهم والتصرف بما حصلوا عليه من أموال دون وجه حق، والعبث بالأدلة وضياعها، وذلك بتمكين منسوبي الأجهزة الرقابية من تأدية مهامهم في الجهات المشمولة باختصاصاتها وإزالة كل المعوقات التي تمنعها من تأدية مهامها، أو عدم تزويدهم بما يطلبونه من وثائق وأوراق أو نسخ منها، لتتبع حالات الفساد، وجمع الأدلة حوله. و لردع الجهات التي تتجاهل الملاحظات الرقابية، يجب على الرئيس تزويده بمعلومات تفصيلية عن الجهات غير المتعاونة التي لا تلتزم بالرد على ملاحظات المجلس الأعلى للرقابة مع تحديد حجم ونوعية المخالفة، ليتسنى للرئيس من خلال لجانه المختصة ممارسة دوره الرقابي الرئاسي على الجهات التي لديها مخالفات ولا تستجيب لملاحظات الرقابة ومساءلة تلك الجهات.
فإحالة الوزراء أو بعضهم وكذا مديري ورؤساء الإدارات أو الفرع الذي وقعت فيه المخالفة نتيجة لملاحظات المجلس الأعلى ، للرد عليها، وإبداء مرئياتهم، مما يبقي على المخالفات ويحول دون تصحيح الأوضاع الناشئة عنها، هذه الاحالات المفضية للمساءلة ومن ثم المحاسبة تؤدى الى تقوية ومناعة المجلس فيطلع بدوره في محاربة الفساد سواءا كان ماليا أو إداريا، ويتم بالتالى تصحيح الأوضاع الناشئة عن تلك المخالفات، وهذا يقود بدوره الى تصحيح كل او معظم الانحرافات التي حدثت مما يؤدى الى دفع التنمية والتطور المنشود وإصلاح كلى للخدمة العامة للدولة مما يساهم في رفع مستويات الخدمة فينعم المواطن بما يعود عليه من ذلك.
مع العلم أن على المجلس الأعلى للرقابة ضرورة تفعيل دوره بايجابية والتركيز على مسببات الفساد ومعالجتها وإجراء الدراسات المسحية لجميع الظواهر واقتراح الحلول الإدارية والنظامية بدلاً من الاكتفاء بالرصد لتلك المخالفات.
ليس كل من يعمل يؤتمن على ما وكل إليه، وليس كل من يؤتمن يحذر مغريات النفس، وإغواء المادة، وبالتالي ليس كل من يحذر يقوى على الحفاظ بحيثيات النزاهة، وإجراءات التجرد عن الطمع فيما بين يديه سلساً حريرياً من مال أو ممتلكات، دون أن يسيل لعابه أمام متاحات التعامل مع ما وُكِلَ إليه منها يخص المؤسسة التي يتولى إدارتها، سواء كان وزيراً أو بائعاً، رئيساً أو شارياً، فعلى ما عرف عن الإنسان من هذا الضعف مهما منحته الوجاهة، والأدوار، ومكنته السلطة والقرار (فالمال السائب يعلم السرقة)،  وعليه فإن إنشاء مجلس رقابي أعلى تدمج فيه كل الهيئات و المفوضيات العاملة الآن حيث أن الكل معني بالترتيبات والتنظيمات الهيكلية المتصلة بمكافحة الفساد المالي والإداري فيجب أن يأتى منظماً في شأن المكافحة لكل ما يؤدي الى تمكنها بدءا من سلوك الأفراد، ويجعلها الشعار السائد، والسلوك المتبع، ضمن منظومة «أخلاق المهنة».

 

 

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

hala ali
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

sss

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الصور

الكاريكاتير