الجمعة, 10 أغسطس 2018 06:40 مساءً 0 1 0
شخبطة على هوامش مجموعة (منضدة وأوراق).. للدكتور/ محمد المصطفى موسى
شخبطة على هوامش مجموعة (منضدة وأوراق).. للدكتور/ محمد المصطفى موسى

بقلم: عمر عبدالرحمن إبراهيم  
« دبلن.. تلك المدينة الصاخبة بأمسيات أواخر الاسبوع ما زالت تخبيء لي الكثير ببناياتها ذات الأسقف المنحدرة وأزقتها التي لا تفارق ارصفتها زخات المطر وحدائقها المنتثرة على مد البصر.. يا لخضرتها التي ليس لروعتها نهاية! يا لحلاوة شقرواتها بعيونهن الزرقاوات وما يتراءى لي خلفهن من أسرار وددت لو أنفق بقية عمري في سبر أغوارها العميقة..» من قصة (دفتر العبور من الموت إلى الحياة).
المقطع يمثل تفاعل الانسان مع البيئة واظهار جمالياتها.. التقاط المشاهد بعدسة فنان يتحين التوقيت المناسب ويدري تماماً متى يصوب كامرته نحو المنظر.. لقد أثبت لنا الدكتور محمد المصطفى موسى من خلال مجموعته القصصية (منضدة وأوراق) أن عيش الانسان في بيئات مختلفة يشحذ الخيال ويعزز الثقافة ويسهم بقوة في الارتقاء بالفكر الانساني.
لم تنسيه دبلن بحدائقها التي لا تدرك الابصار لخضرتها نهاية.. شوارع البقعة امدرمان وحي العرب.. ولم ينشغل كثيراً بالشقراوات وعيونهن الزرقاوات.. فقمة الثقافة والوعي الانساني التفاعل مع الحضارات واستيعاب ما بكنهها لا الذوبان فيها والانجراف في تيارها..        
 (منضدة وأوراق)، هي باكورة الانتاج الادبي للدكتور/ محمد المصطفى موسى. العنوان جيد جداً لاستدراج القاريء للغوص في محتوى القصص ذات المواضيع المتباينة والأفكار المختلفة والتي تأخذ القاريء في سياحة ممتعة تحلق به في فضاءات المدن من بيرمنغهام مروراً بكونستانسا و دبلن ببناياتها ذات الأسقف المنحدرة ثم تقفل راجعةً إلى الجذور إلى الأصل والمنبت حيث الحنين إلى الوطن يطغى على المشهد.
كذلك التاريخ حاضر بقوة؛ فقصة (عندما رأى عثمان) لا تتعدَّى كونها استلهام للتاريخ لمجابهة الواقع التي أبدع الكاتب في هندسة بنيانها  بتكنيك عجيب ربط الواقع بالخيال ليخرج لنا بقصة هي أروع ما تكون.
محمد المصطفى موسى كاتب من طراز فريد يمتلك النفس الطويل في الكتابة.. يتطرق للتفاصيل دون أن يُفلت خيوط الحبكة بسردٍ هو أقرب للإمتاع منه إلى الملل في نفس القاريء.
هيمنة المكان على النص؛ المكان هنا يتربع على فضاء القصة ويهب الشخوص روحاً حيث النصوص ترتفع بالمكان إلى درجات عالية تجعل الشخصيات أكثر جلاءً تكاد تلمس وجودهم في عالمنا المحسوس ويضفي بعداً مميزاً على الأحداث.
تعدد الموضوعات وتنوع الأفكار وكأن القاريء يتجول في حديقة متنوعة الأشجار، ملونة الأزهار.
تسليط الضوء على التراث والفلكلور الثقافة الشعبية على خشبة المسرح القصصي، إذ أن الكاتب لم يتجاهل هذه الأشياء بل تطرق لها كشيءٍ عزيزٍ على نفسه، نفض ما لحق به من غبار وأظهره للعالم بكل فخر وإعزاز.
محمد المصطفى يتدفق بالحكي، في جرأة وشجاعة يعكس أفكاره ولا يتوارى خلف الكلمات أو يندس وسط العبارات خوفاً من الافتضاح، فهو يوصل ما يريد قوله بانسيابية وتلقائية تتدثر بشفافية لا تخطؤها العين.. التعرض لحياة البسطاء والكادحين وإظهار قضاياهم والاندياح في عوالمهم البسيطة يمثل الجانب الإنساني في أسمى معانيه ويجعل من الانسان محوراً تدور حوله الأحداث.. السياسة تتمظهر بين الفينة والأخرى.. المرأة متواجدة بحضورها المتأنق بقوتها وضعفها وبوصفها كالمدن.. الاحتفاء بالذاكرة تجسده بعض الاقاصيص..
القصص مكتنزة بلغة وصفية عالية الدقة مما يجعل من المتخيَّل وكأنه شيئاً محسوساً مشاهداً .. كثافة اللغة تدل على اطلاع واسع وتبحر في شتى ضروب المعرفة الانسانية وليس الأدب وحده.
باعتقادي أن الكاتب محمد المصطفى موسى سيكون إضافة حقيقية لقبيلة الأدباء ولفن القصة القصيرة خاصة وأنه قد استوعب تقنيات الرواية الانجليزية. وستحجز كتبه مكاناً علياً في قلوب القراء أولاً ثم في أرفف المكتبة السودانية.

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

شارك وارسل تعليق

برنامج فى الواجهه التلفزيونى

الكاريكاتير

القنوات الفضائية المباشرة