الأثنين, 20 أغسطس 2018 07:31 مساءً 0 1 0
شهداء العلم
شهداء العلم

تاملات

المقداد ميسرة الشيخ

شهداء العلم

فجعت جموع الشعب السوداني على بكرة أبيهم بخبر غرق المركب النهري الصغير الذي ينقل أطفال قرية كبينة ريفي محلية البحيرة بنهر النيل، بين شاطئ الوادي المتمدد من بحيرة سد مروي بحثاً وطلبا للعلم، تقف الكلمات حائرة وتائهة ومبعثرة واللسان متلعثما لهول المصيبة وكآبة المنظر صغاراً في مءة كل البراءة والأمل وبشاشة الوجه رغم قسوة البيئة والحياة التي يعيشونها، الموت سبيل الأولين والآخرين والغريق يعطى مرتبة الشهداء لعظم المشهد.
النيل الملجأ والسحر والدفء والعنفوان الذي نستمد منه رباطة جأشنا هو اليوم مقبرة هؤلاء اليافعين بأي ذنب قبروا، ولأي ذنب يتحملون هذه المعاناة مع بزوغ كل فجر جديد سوى أنهم أبنائنا أبناء العجز والإهمال والتردي.
 لا شك أن تكون على ظهر هذا القارب نسبة الغرق 50% تتجدد كل يوم، هي أقدار الله ونسأله في هذه الأيام المباركات أن يجعل أرواحهم في حواصل طير خضر في جنات عرضها السماوات والأرض وعدلا وأمنا من هول ما رأته أعينهم، تتكرر المآسي والفاجعات فكل ما نستفيق من كارثة تلوح في الأفق كارثة أخرى، أستذكر جيدا حادث غرق مركب نهري بين منطقة الهشابة والشطيب بالنيل الأبيض في ثمانينات القرن الماضي قبل مجيئي للدنيا ومازالت ذكراه الأليمة باقية في الوجدان حينما تحولت مراسم العرس والزفة النيلية من شاطئ قرية الشطيب للهشابة لمأتم كارثي راح ضحيته أكثر من 25 شخصاً من أسرة واحدة، وهي فجائع متكررة حتى اعتدناها وباتت كأن شيئا لم يكن، تنقل الأخبار كل يوم مصرع ومقتل العشرات إما غرقاً أو حادث حركة أو حرقا لا اعتراض على أقدار الله ولكل أجل كتاب، ولكننا نطالب بالحد الأدنى من حقوقنا كمواطنين، نطالب من جئنا بهم لخدمتنا وزراء وحكاما أن يكونوا بشرا مثلنا يحسون آلامنا ويأسون معنا ويتجرعون كأس المرار الذي أدمناه، أن يجلسوا معنا صف واحد في كل معاناة لا نطلب شئ مستحيل فقط أن يعبروا معنا وأولادهم النهر عبر هذه المراكب وأن يدرسوا معنا في ذات المدارس المتهالكة، فقط أن يقفوا معنا في صف الجاز والبنزين كما فعلها الوزير وقتها الشاب ياسر يوسف، أن يكون ضميرهم حي لا أدري ماذا يعمل هذا المعتمد وطلابه يعبرون النهر من أجل المدرسة أليس في مقدوره أن يبني مدرسة وإن فاقت إمكانيات محليته المتهالكة إن كان يتابع ما يجري في نطاق عهدته لما صعبت عليه مدرسة لو طرق باب الجهد الشعبي الذين ما بخلوا يوماً أو المنظمات الخيرية وما أكثرها ولكن يبدو أن المواطن وخدمته أخر اهتمامات هذا المعتمد.
لو كان هناك ضمير لتوارى هذا المعتمد خجلا ولأعتكف بقية عمره خوفاً من ذنب هولاء الضعفاء، ليت يعلم هؤلاء أنصاف المواهب أن القيادة مسؤولية وإنسانية ليس شرفا . ولو كنت مكان وزير التعليم هذا لاعتزلت العمل العام وتفرغت لما يشغلني عن واجبي حتى لا أسأل، ولو كنت مكان الوالي لأقلت المعتمد والوزير فوراً، ولثبت عند رأيك بمغادرة كابينة القيادة دون توانٍ أعرف أنك شجاع ورجل الملمات الصعبة، ولكن ليته ينفع التمني. متى نتعلم من هذه الصدمات والجراحات المتتالية، ولسوء الحظ أن وزير التربية والتعليم أم ! أخاطبك كونك امرأة ماذا لو كنت مكان هذه الأم المكلومة التي فقدت بين لحظة وحينها خمسة من فلذات أكبادها خرجن ولم يعدنا ولن يعدن، رأيتنا نغرقهم دون أن يهتز لنا جفن، نقتلهم ونحن متصورون أنها طبائع الأمور إنها جريمة كبرى لا بد أن يحاسب كل من تسبب فيها.
أي وصف يمكن ان توصفه الكلمات، طلاب ينهار عليهم الجدار وآخرون يغرقون وحوادث لا عد لها تحصد كل يوم العشرات من الأرواح البريئة التي ذنب لها سوى أنها في وطن يكرم الإنسان وحياته.
كلما فجعنا في كارثة ضجت الأسافير بالتأويل وصارت حديث المقاهي وونسة البيوتات والاستهلاك والكسب السياسي الرخيص، وضعاف النفوس الذين يعملون ليل نهار في تشويه صورة الوطن ظنا منهم يعملون في خدمته بقية السلطة التي اوردتنا مورد الهلاك لا يعلمون أنهم يدمرون أمة بحالها وتاريخ تعاقبت أجيال في كتابته والحفاظ عليه، وذلك باختلاق سيناريوهات وتلفيق صور لطالبات أحياء يرزقن على أنهن الضحايا ترى ماذا يستفيد هؤلاء، هنا سر الأزمة ليتنا نكون صادقين مع أنفسنا فالذين يتقلدون المناصب هم من جزء من هذا الشعب وانعكاس لسلوكه، أصبح النفاق يسري في دمائنا والجشع والطمع والهلع وأصبنا في أخلاقنا فلا المواطن عارف حقوقه ولا يدرك واجباته، أصبحنا نعيش على الإشاعات والإثارة والبلبلة.
وكما كتب الأستاذ عاصم البلال في تحليله الأخباري قبل الأمس السبت 18/8/2018 «من الذي ينقذ المركب والأزمات واقفات صفا» حقا من الذي ينقذ المركب حقيقة مؤلمة والأمواج تتلاطم على جانبيها والمحرك لا يقوى.
الرحمة و المغفرة لشهداء العلم والمعرفة والصبر والسلوان وحسن العزاء لآلهم وذويهم على مصابهم الجلل، اللهم تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم وليت هذا الحادث درس يستفاد وعظة لكل ولاة الأمر في بلادي وما أكثرهم فرفقاً بهذا الشعب فإنكم مسئولون أمام الله بحكم مناصبكم يوم لا ينفع مال ولا بنون.

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

شارك وارسل تعليق

أخبار مشابهة

برنامج فى الواجهه التلفزيونى

الكاريكاتير

القنوات الفضائية المباشرة