الخميس, 11 أكتوبر 2018 02:00 مساءً 0 1 0
المستشار والخبير الاقتصادي أ.د. محجوب عبد القادر عباس هجانة يكتب لـ(أخبار اليوم):التجربة الهندية... نموذج لحل تدهور الجنيه السوداني
المستشار والخبير الاقتصادي أ.د. محجوب عبد القادر عباس هجانة يكتب لـ(أخبار اليوم):التجربة الهندية... نموذج لحل تدهور الجنيه السوداني

المستشار والخبير الاقتصادي أ.د. محجوب عبد القادر عباس هجانة يكتب لـ(أخبار اليوم):التجربة الهندية... نموذج لحل تدهور الجنيه السوداني

الهند لديها تجربة في التنمية عمرها آلاف السنين، ومستقبل اقتصادي قوي تنافسي عالمي، علينا أن نتعلم من تجربتهم وخبراتهم، والتجربة الهندية لمحاربة الفساد يمكن أن تكون نموذجاً لحل تدهور الجنيه السوداني. أدناه تجربة الهند الناجحة واستخدام التكنولوجيا لخدمة الإنسان ورئيس الوزراء الهندي ماريندرا مودي.

في الهند تم ترشح الرجل الهند القوي ماريندرا مودي لرئاسة الوزراء على خلفية مساعدة الطبقات الفقيرة وتطوير البنية التحتية ومحاربة الفساد والقضاء عليه، كما فعل في ولايته چودچرات الهندية التي كان حاكماً لها، حين نجح في الانتخابات العامة للدولة اهتم أولًا بالبنية التحتية من الطرق والكباري والمياه الصحية والكهرباء وكذلك تكملة بناء المطارات الفخمة في جميع أنحاء الهند مثل مطار مدينة بومباي والذي يعتبر المطار الثاني عالمياً مع محاولة جدية وصارمة لمحاربة الفقر والبطالة مما يستلزم ميزانية ضخمة غير متوافرة لديه. وانتظر الجميع منه القضاء على الفساد الذي توغل في جميع مفاصل الدولة كما وعدهم ولكنهم لم يدركوا أنه خطط بدهاء وفِي السر للقضاء على الفساد بضربة واحدة وقاضية ترفع حصيلة الدولة وتحرق كل الأموال الفاسدة وتحكم سيطرة الدولة والقانون للأبد. فلم يدرك الكثيرون اهتمامه بفتح أفرع للبنوك في جميع أنحاء شبة القارة الهندية والتوسع في ماكينات الصرافة واعتبروا ذلك جزءًا من التطوير الذي شمل جميع أنحاء البلاد فهو رجل يهتم بالتقنية الحديثة كالكثيرين من شباب الهند.

قبل المفاجأة الكبرى كانت الهند أكثر دول العالم في التعامل النقدي المباشر فنحو ٩٥٪‏ من التعاملات بين الناس تتم عن طريق الكاش كما هو الحال في السودان وخارج النظام البنكي وبالطبع كانت الرشاوى والعمولات تدفع بهذه الطريقة بعيدًا عن أعين الرقابة لتُخزَّن .  

كما أن نحو ٨٠٪‏ تقريباً من العمال والموظفين خاصة في القطاع الخاص يتقاضون مرتباتهم عن طريق الكاش و٥٠٪‏ فقط من الشعب البالغ عدده ١،٢٥ بليون شخص يملك حسابًا بنكيًا.  

وقبل ساعة الصفر بنحو شهر طالب الدكتور مودي شعبه بتطهير أموالهم من الفساد وذلك بالتقدم للبنوك خلال ثلاثين يومًا وإيداع المبالغ الموجودة لديهم في الحسابات البنكية وألزم البنوك بعدم السؤال عن مصدر الأموال في مقابل دفع ضرائب للدولة على هذا المال المجهول المصدر بقيمة ٤٠٪‏ من أصل المال. تقدم البعض بملايين الروبيات الهندية (العملة الهندية) للبنوك لتطهير أموالهم وتقاعست الأغلبية فالمرتشي والحاصل على المال الحرام بطريقة غير شريفة لا يريد إظهار المال المتراكم لديه في حسابات البنوك المرتبطة بالرقم القومي والذي تُحَصَل الضرائب عَلى أساسه فجميع التعاملات المشبوهة لم تسدد عنها بالتأكيد أي ضريبة.

وجاءت ساعة الصفر حيث أعلنت جميع المحطات الإذاعية والتليفزيونية أن الدكتور مودي يود مخاطبة الشعب الهندي في موضوع مهم!! لم يعرف أحد ماذا ينوي أن يقول. 

وفي تمام الساعة الثامنة من مساء يوم ٨ نوفمبر الماضي وبعد إغلاق معظم المحلات كانت ساعة الصفر حيث ظهر مودي ليعلن فجأة وقف التعامل نهائيًّا بأكبر عمليتين في الدولة وهي  الخمسمائة والألف روبية هندية وهو ما يشكل ٧٥٪‏ من إجمالي العملة النقدية المتداولة بين الناس وذلك في تمام الساعة الثانية عشرة ليلًا أي بعد أربع ساعات فقط! وطالب الشعب الهندي باستبدال العملة الموجودة لديهم عن طريق البنوك من خلال حساب بنكي لا يسحب منه إلا عن طريق ماكينة الصرافة وأعطى مهلة ٥٠ يوماً فقط لإتمام التحويل لتصبح بعدها العملة القديمة مجرد ورق.  

كان للمفاجأة وقع الصاعقة على الجميع فهرع بعضهم لمحلات الذهب لشراء الذهب فهو الملاذ الآمن في الهند وعادة ما يشترى بدون فاتورة لتهرب هذه المحلات من دفع ضريبة المبيعات ولكن هذه المرة كان موظفو الضرائب منتشرين في محلات الذهب خاصة الضخمة لمراقبة إصدار الفواتير الرسمية وسداد حصيلة الضريبة للدولة عن الذهب المباع وهي نحو ١٢،٥٪‏.  في الصباح حدث مرج كبير فليس مع الجميع الكم الكافي من العملات الصغيرة لشراء احتياجاتهم اليومية ولكن الكثيرون تغلبوا على هذه المشكلة باستخدام كروت الائتمان أو عن طريق تداول المبالغ الصغيرة من المال عن طريق التليفون وهى تقنية متاحة بكثرة في الهند وإن كانت الغالبية لا تستخدمها كما استثنى الدكتور مودي إمكان استخدام العملة الملغية لشراء تذاكر الطيران حتى لا تتوقف حركة الانتقال بين المدن الكبيرة وشراء البنزين والسولار ودفع فواتير المستشفيات الحكومية في حالات الطوارئ. حدد مودي السحب اليومي من ماكينات الصرافة من العملة الجديدة من فئة الخمسمائة والألفين روبية بما لا يزيد عن ٢٠٠٠ روبية يوميًا لفترة ٣٠ يومًا قبل أن يرفع الحد الأعلى تدريجيًا وبعدها تستطيع أن تسحب ما تريد كما حدد كمية السحب من البنوك بقيمة ٢٤٠٠٠ روبية. في الصباح ذهب الجميع للبنوك لوضع أموالهم في حسابات بنكية وأخذ بطاقات ائتمان أو بطاقات بنكية debit cards ليفتح بذلك حسابات بنكية لشعب الهند بأكمله وتدور الأموال فقط عن طريق البنوك وتحت نظر الدولة والضرائب وبرقمهم القومي. ولكن كيف قضى ذلك على الفساد. قال الدكتور مودي إن البنوك ترحب بجميع المبالغ المالية الكبيرة ولكن فترة السماح لتطهير الأموال قد انتهت يجب على واضع هذه المبالغ الكبيرة  إظهار مصدر الأموال ونوعية عمله وراتبه وإن كان قد سدد ضرائبها أم لا مع مأمور الضرائب بالبنك. بالطبع خاف معظم المرتشين وغاسلي الأموال من التقدم للبنوك حتى لا تفضح مصادر أموالهم واكتفوا بحفظها كأوراق بلا قيمة في منازلهم شاهدةً على فسادهم. 

ولكن ماذا حققت التجربة للهند.

١- زيادة حصيلة الدولة من الضرائب بنسبة ٢٨٦٪‏  أي ثلاثة أضعاف في شهر واحد.

٢- وضع أموال الشعب بالكامل تحت أعين الدولة والضرائب فالرقم القومي مرتبط بالحساب البنكي وبالضرائب.

٣- التحول إلى ميكنة التعاملات النقدية في جميع أنحاء الدولة. فسداد جميع المرتبات حتى في القطاع الخاص سيتم الآن عن طريق البنوك ومن المستحيل على صاحب العمل سحب مجموع مرتبات موظفيه من ماكينة الصرافة ولكنه يستطيع التحويل السريع من حسابه لحساباتهم عن طريق الرقم القومي تحت أعين الضرائب.

٤- عقاب معظم الفاسدين والمرتشين بحرق أموالهم معدومة المصدر والقضاء على غسيل الأموال.

٥- القضاء النهائي على العملة المزورة فالعملة الجديدة بحجم وشكل مختلف تماماً وبقيمة مختلفة ألفي روبية مكان الألف روبية.

٦- الحساب الجيد والدقيق للضرائب.

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

شارك وارسل تعليق

برنامج فى الواجهه التلفزيونى

الكاريكاتير