منذ 6 يوم و 3 ساعة 0 226 0
قراءة في رواية
قراءة في رواية


رواية ضل الكرقة
د. صلاح البشير

هناك أمر استعصى عليَّ فهمه وأردت أنْ أشرككم فيه: ما الذي يدفع كاتباً عاش أغلب حياته فِيْ أزقة أم درمان وأحياءها لكتابة رواية ما أو أي عمل أدبي آخر بغير لهجة أهل أم درمان الوسيطة؟ هكذا حكى الروائي صلاح البشير فِيْ روايته "ضُل الكَرِّقَة" .. حين أختار أنْ يروي لنا بلسانٍ شايقي مبين عنْ "نُورَي مدينة الآلهة"  وعن طرابيلها .. لمْ تكن تلك المرة الأولى التي يُلسن صلاح البشير بلسانٍ غير لسان أهل أم درمان الوسيط فقد فعلها فِيْ روايته "مصرية فِيْ السودان" حين ناصف فِيْ حوارها بين لغة الراندوك أو الشارع السوداني الشاب ولغة الروشنة أو الشارع المصري الشاب .. وفعلها فِيْ جميع قصصه القصيرة ذات اللسان العامي إذ كان يُلحن بلغة أهل الريف الموغلة فِيْ الخصوصية .. وكانت روايته "الإنداية قصة الأقنان والعبيد" تلهج بلهجة الريف النيلي شمال الخرطوم كأنه عاش واعتاش هناك.
فِيْ روايته "ضُل الكَرِّقَة" .. خلع صلاح البشير أم درمانيته أو قل عاصميته وارتدى سروالاً وعراقياً وطاقية "برتقالية اللون" أمالها قليلاً على رأسه .. وتناول "طوريةً" بيمناه و"طنبوراً" بيسراه .. وعاش فِيْ ديار الشايقية تربالاً مرة وطنباراً أخرى و"اتدلى" باتجاه "البحر" الف مرة ومرة .. وتسكع فِيْ أزقة "نُورَي" وحواريها وعشق "طرابيلها" وتحدث إلى أهلها فرداً فرداً .. ثم جلس ليكتب عنها روايته "ضُل الكَرِّقة" .. بلسانٍ شايقي مبين.
اختار صلاح البشير خليطاً ثلاثياً مِنْ الصراعات يقدمه لنا في هذه الرواية: الصراع بين قيمة الخير وقيمة الشر، والصراع بين الماضي والحاضر والصراع بين الحضر والريف. واستصحب معه آلية الاسترجاع أو الارتجاع الفني Flashback للربط بين حلقاتها وتعامل مع جيلين وحقبتين زمنيتين للوصول بشخصياتها إلى بر الأمان. وللمكان والزمان فِيْ مخيال صلاح البشير إعتبارات خاصة أو قل قدسية خاصة .. فعلى أنَّ المقصود هو ديار الشايقية فِيْ فكرته العامة إلى أنه جزء منْ أدب الحرم الجامعي – فبطلا الرواية التقيا فِيْ قاعات الجامعة وبين مكاتبها – كانت جامعة الخرطوم تمثل شيئاً ما .. ربما هي أسمى حالات المدنية .. وربما لرمزية جامعة الخرطوم على الخصوص فِيْ وجدان أهل السودان .. نجد نفس هذه القدسية فِيْ روايته "مصرية فِيْ السودان" إذ كانت جامعة الخرطوم هي المسرح الرئيس للرواية.
نعت الكاتب الخرطوم "العاصمة" بـ" "كرش الفيل" وفِيْ ذلك دلالة أخرى لقدسية المكان عنده .. فهو لا يقصد فقط إمتدادها اللا نهائي .. ولا اختلاط الناس فيها .. ولكنه يعطن كل ذلك بدلالات الصراع بين الحضر والريف .. فبالقدر الذي تعظم الخرطوم صورة الحضر .. تقف "نُورَي مدينة الآلهة" فِيْ مواجهتها لتسمو بالريف كله.
الصراع بين الأجيال – بعيداً عنْ نقاط الخلاف أو التوافق – هو أحد صور الصراع القيمي عند صلاح البشير تابعنا ذلك فِيْ روايته "ضل الكَرِّقَة" وفِيْ روايتيه الأخريين "الإنداية قصة الأقنان والعبيد" و "مصرية فِيْ السودان" .. يبدأ بسيطاً ثم تتداعى الأحداث فيتعقد ويتصاعد  .. وتظل القيم ثابتة فِيْ كل مرة وتختلف الوسائل فِيْ الوصول إليها بين جيلٍ وجيل. وهنا يستدعي آلية الاسترجاع لنقل الأحداث بين جيل وآخر عبر الزمن فِيْ تسلسلٍ منطقي بديع.
نعود مرة أخرى لسؤالنا فِيْ صدر هذا المقال: ما الذي يدعو صلاح البشير للتخلص مِنْ أم درمانيته ولهجتها الوسيطة ليتحدث بلسان غيرها؟ .. بحسب المعلومات التي استقيتها مِنْ عدة مصادر فقد التقى صلاح البشير زملاءً وأصدقاءً وإخوة له مِنْ ديار الشايقية والصدفة وحدها أنَّ غالبهم كان مِنْ "نوري مدينة الآلهة" .. فكان ذلك حالة مِنْ حالات تراكم اللا وعي عنده .. فإنْ أضفنا إلى ذلك شغفة بالشاعر الفطحل "محمد الحسن سالم حُميد" وبأغاني الشايقية والطيب صالح فلا عجب أنْ نقرأ له بلسان أهلها .. ويمكن تطبيق ذلك على روايته "مصرية فِيْ السودان" .. فصلاح البشير تخرج فِيْ كلية الطب البيطري جامعة القاهرة / مصر .. لمْ يكن غريباً أنْ يكتب عنْ رواية فيها عبق الشقيقة مصر، ربما إنْ حانت لنا فرصة ثانية للحديث عنْ هذا الكاتب أنْ نتحدث عنْ روايتة الرائعة "مصرية فِيْ السودان".
والآن ما رأيك أيها القارئ الكريم؟

       

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

nadir halfawe
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الصور

اعلانات اخبار اليوم