الجمعة, 30 أكتوبر 2020 09:11 مساءً 0 164 1
سيناريو: أكتوبر الوردي
سيناريو: أكتوبر الوردي

سيناريو

 بقلم: أبرار الغازي گشان

أكتوبر الوردي

دخلت الى إحدى المستشفيات أجري فحصاً لإبني الذي كان يعاني من البرد الشديد، جلست أنتظر دوري في قائمة الكشف.. وأثناء إنتظاري مرت إحدى الممرضات ووزعت علي الجالسين أوراق بها معلومات للتوعية بمرض سرطان الثدي، لم أهتم بها فقد كان كل ما يُشغل تفكيري وقتها صغيري المريض.

بعد خروجي مع صغيري من الطبيب وجدت أمراة تنظر لي وقالت : هي لي هل آخذ من وقتك دقائق ؟ , أستغربت في باديء الأمر وفي النهاية جلست معها واذا بها تحدثني بكل حب وتفاؤل وكأنها تعرفني وبدأت في سرد قصتها ، وإليكم قصتها كما حكتها لي :

في الماضي أعتقدت أن لدي كل شيء: العمل والاسرة والمال والأهم من ذلك حياتي المشغولة دوماً والتي لا تجعل لي وقت كي أهتم وأعتني بنفسي .

أعتقد أنني كنت إمراة فائقة في كل شيء كما يقولون (سوبر وومان) فأنا أعرف كيف أوفق بين عملي كمدرسة بدوام كامل وبين واجباتي نحو زوجي وأثنين من الاطفال الرائعين أيضا،، كما لدي دائرة معقولة من المعارف والاصدقاء وحياة أجتماعية أعتقد أنها كالمعادلة تنقسم بين عائلتي وعملي، ولم أكن أعرف أن ذهابي لفحص منتظم سيغير من حياتي بشكل كبير .

في البداية لم أكن أذهب لطبيب خاص بي , فقد كنت أتمتع بالتأمين الذي أعطته الوظيفة لي فقط ونادراً ما كنت أستخدم التأمين , كنت اتركه للحالات الطارئة والخطرة وأحيانا أزور طبيب أمراض النساء للأطمئنان علي صحتي .

وفي يوم عرضت علي أحدى صديقاتي أن نذهب معاً لإجراء فحص سرطان الثدي من أجل الترفيه عن أنفسنا ليس أكثر وخصوصا عندما علمت ان أحدي المستشفيات المحلية تقدم تخفيضا بنسبة 50% علي تصوير الثدي بالأشعة السينية .

ترددت في البداية فجدول أعمالي مزدحم لا يتحمل الخروج في موعد كهذا ولكن في النهاية قررت أن أذهب معها كنوع من الدعم لها والوقوف بجانبها ولأعلمها انني معها دوماً فكم من المرات التي دعمتني صديقتي هذه وقدمت الدعم لعائلتي أيضا..إعتبرت هذا المشوار كنوع من رد الجميل لصديقتي هذه .

عندما قمت بعمل الفحص قال لي الطبيب أن لدي ورم في صدري الأيسر وقرر لي بعض الفحوصات المستقبلية .

قضيت شهرين من الذهاب والاياب للفحوصات والليالي الطويلة من دون نوم وسهر وقلق فقد كنت في رحلة مع تشخيص المرض في مرحلته الثانية، فالمرحلة الثانية في سرطان الثدي تحتاج الي المزيد من الفحوصات.

مثل هذا الأمر صدمة لي في البداية لم أفهم لماذا حدث لي هذا ؟ وفي ذات الوقت أنهالت علي العديد من الاسئلة التي لم أجد لها أجابة

"هل سأموت؟ ومن يتولي رعاية أولادي بعد رحيلي عنهم ؟ وهل سأفقد شعري؟ وهل سيتزوج زوجي بعد وفاتي ؟وهل سيتقبل أولادي أم ثانية غيري؟ وكيف يتعايشون مع زوجة الأب؟ هل ستكون زوجة زوجي الجديدة أحلي مني؟"

لم أستطع النوم في الليل وأصابني الارق وراودتني الكثير من الكوابيس والاحلام المزعجة والافكار الحزينة والنظرة التشاؤمية للأمور وأصبحت أكثر حزنا فأنا لم أعد امرأة تتمتع بصحة جيدة .

بعد ثلاثة أسابيع يمكنني أن أوصفهم بالجحيم ،، قررت أن أكون قدر المسئولية وأتحمل الموقف وأتعامل معه ولن أستسلم .

تحدث مع الكثير من الأطباء الذين أكدوا لي أن اجراء العملية الجراحية في هذا الوقت سيحقق نتائج أفضل،، قررت أن أضع نفسي تحت السكين .!

وبالفعل أجريت العملية وتم أستئصال الورم نتج عنه استئصال جزء من الثدي ، وقد تم ازالة المناطق التي تواجدت بها الخلايا السرطانية وأعقب هذه العملية أربع دورات من العلاج الكيميائي علي مدار شهرين .. والان وبعد عام من الجراحة أستطيع أن أعلن أنني امرأة خالية من السرطان وبصحة جيدة .

دعمني زوجي كثيرا في الفترة الماضية وايضا عائلتي ، وأدركت كم انا بنعمة بوجودهم معي ، أعتنوا بي علي أكمل وجه وأهتموا بي وبصحتي ولأول مرة منذ فترة طويلة أدركوا كم كنت بحاجة الي وقت اخصصه للاعتناء بنفسي ومتابعة صحتي والاهتمام بها، وتركت وظيفتي كمدرسة وقررت أن أخصص بعض الوقت لنفسي أركز علي الشفاء البدني والعقلي من المرض .

أفضل صديقة لي قامت بقص شعرها وأصبح قصير للغاية حتي تدعمني في فقدان شعري، وكنا نخرج معا للتسوق وشراء الاوشاح الملونة التي تغطي الرأس.

شعرت بفخر كبير بأنني واحدة ممن نجوا من أكبر التحديات التي فرضها علينا القدر .

أشعر الان بأني أكثر استرخاء في حياتي، فقد أدركت بعد هذه التجربة أن علي أن أتوقف عند حياتي قبل العملية وأغير نمط حياتي وابحث عن شيء أكثر روحاني أفعله شيء أكثر سعادة وصحة لي ولعائلتي .

ربما قد يكون قل الشعر برأسي ولكني الآن صرت أملك المزيد من الشجاعة وحب الحياة من أي وقت مضي .

قالت لي : أتمني منك بعد أن تقاسمت معي قصتي أن تفهمي وتقدري أهمية الاعتناء بنفسك قبل أي شيء وقد تكوني أدركتي أن الحياة ليست فقط تدور حول المهمات الكثيرة وجدول الأعمال المشغول لكن الحياة لابد أن تمشي بخطوات نحو سعادتك .

قالت لي هذه الكلمات ورحلت بأبتسامة غاية في الجمال بعد أن بعثت في داخلي تفاؤل وحب لنفسي كبير، في هذا الوقت بحثت عن الورق الخاصة بفحص سرطان الثدي وبالفعل ذهبت لإحدى الأماكن المتخصصة في هذه الأمور وحجزت موعد للفحص علي الفور،، فإذا كنت اليوم مع أبني في مرضه لن أضمن أن أكون معه في مستقبله .

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

مشرف عام
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

شارك وارسل تعليق

الأخبار

بلوك المقالات

الصور

اعلانات اخبار اليوم