الأثنين, 25 مارس 2019 02:32 مساءً 0 314 0
حكومة ايلا وإعادة هيكلة الدولة والطريق إلى الدولة الراشدة
حكومة ايلا وإعادة هيكلة الدولة والطريق إلى الدولة الراشدة

الحكومات والمواطنون دائماً يسعون إلى الإدارة الراشدة على كل المستويات الحي والقرية والمحلية والمجلس والولاية والإقليم والمديرية والدولة.
المواطن الراشد يسعى إلى قيام الدولة الراشدة وكلاهما يحتاج للآخر احتياجاً عضوياً. أول تلك الاحتياجات المتبادلة أن يسعى المواطن لتقوية أسس الحكم الراشد له وعليه، والدولة الراشدة تسعى لحسن إدارة موارد العباد والبلاد لتوفير الأمن الإنساني الشامل القومي والغذائي وتلبية احتياجات التنمية المستدامة وكرامة الإنسان في وطنه. هذا يتطلب شرعاً وعقلاً مساواة الناس أمام القانون العام ومساواتهم في التزاماتهم نحو الدولة وتساويهم عندها واتباع مبادئ الحكم الراشد، وأول تلك المبادئ وأهمها ترشيد الإنفاق العام في إدارة الدولة وتحقيق رفاه المواطن، وهذا بالضرورة يستدعي قيام جهاز وهيكل منطقي للدولة قادر وفعال يحقق النتائج المطلوبة منه  والمتفق عليها.
ومن المحاذير التي يجب على القائمين على الدولة الحذر منها الميول الجانح للبيروقراطية المريضة Bureau Pathology  لبناء الإمبراطوريات والإقطاعيات والتوسع فيها وإهلاك الموارد في غير طائل، ويتم ذلك بتضخيم الاحتياجات والهياكل والرواتب والمخصصات والامتيازات واختراع أنواع الحصانات والمباني والأثاث والسيارات والإكثار من ورش العمل والمؤتمرات وإخفاء المعلومات الحقيقية عن النتائج المطلوبة التي تم الوصول إليها بأي مستويات من الكفاءة والفاعلية والاستدامة. وقد تمددت الهياكل أفقياً ورأسياً ووظيفياً.. فكل وزارة من الأربع عشرة وزارة في حكومة الأزهري الأولى ومعها ستة عشر وزير دولة وبرلمان من تسعة وتسعين نائباً وتسع مديريات وأربعة وثمانين مجلساً.. بلا مفوضيات أو كم هائل من الهيئات والشركات والمؤسسات وكان يقابل ذلك أيضاً أربع عشرة إدارة أو وزارة في الحكومة الأمريكية الاتحادية والتي تم إكمالها لخمس عشرة قبل عشر سنوات تقريباً ولم يزد عدد الولايات ولا المجالس ولا غيرها. وحققت أول موازنة لجمهورية السودان الحرة المستقلة التي شكلها الحزب الاتحادي منفرداً وقدمها السيد حماد توفيق وزير المالية حينها فائضاً قدره أربعة عشر مليوناً من الجنيهات حين كان الجنيه السوداني يعادل ما يزيد عن جرامين ونصف من الذهب الخالص بحسب منشور وزارة المالية في الرابع من أبريل للعام 1957، فقس على ذلك لو حافظنا فقط على قيمة الجنيه السوداني والفائض في الموازنة.
الحديث عن إعادة الهيكلة الذي تناوله رئيس الوزراء وكثير من  أساطين الرأي العام في الصحافة ووسائل الإعلام على سبيل لا الحصر الأساتذة ضياء الدين بلال وعبدالرحمن الأمين والهندي عزالدين والنور أحمد النور وأحمد الشيخ البلال والحاج والدكتور مزمل أبوالقاسم وتوفيق البدري عكاشة ومالك طه وأشرف دوشكة وغيرهم، يجب أن لا نسير فيه إلا على منهج إعادة الدمج أو الإرجاع والتشكيل المنطقي للهيكل الجديد ليؤدي للنتائج المطلوبة بالكفاءة والفاعلية بالمناهج العلمية المعروفة في علم الإدارة العامة، وقد كتبت فيه ورقة في فبراير  2005 وعن ماذا بعد يوليو 2011.
من أهم المطلوبات بناء ثقة الشعب في العاملين بالدولة، وهذا يعني الالتزام بمطلوبات الشفافية.  محاسبة كل من يتولى عملاً عاماً ويتصرف في موارد أو يتفاوض نيابة عن الدولة في أمر ذي بال. الأخذ بالشبهات القوية مأخذ الجد والعدل الناجز الحاسم إن ثبتت وأخذ مطلقها بالعدل الحاسم إن كان خلاف ذلك، وكل ذلك بحكم القانون والشرع والبعد عن الشبهات.
مؤكد هنالك مخلصون يسعون لزيادة الكفاءة وتحقيق أهداف الحكم الراشد النافع للجميع، وهنالك من يتربص بمؤسسات الدولة حتى تسقط لقمة سائغة هنيئة مريئة في أفواههم وفي محافظ وكلائهم الداخليين والخارجيين، ويسعون إلى الخصصة غير الراشدة لنهش ما تبقى من مؤسسات الدولة العامة الإستراتيجية المملوكة للجميع والتي يجب أن تتطور وتٌرشّد حتى تخدم الدولة والوطن والمواطنين. ولكن هذا لا يعني أن تبقى إقطاعيات شبه خاصة لمن اقتطعها أو انفرد بها وغاب عنها الرقيب وغابت عنها المؤسسية وحكم القانون تحت مختلف الحجج، ولعل أكثرها رواجاً أنهم إن لم يعطوا منها سرقوا،  فهل سرق المدرسون مدارسهم لأنهم أضعف العاملين راتباً في الدولة ولأن وزير التربية والتعليم لم يجد مالاً ينفقه عليهم بلا رقيب أو حسيب. والفقراء حسب الإحصاء نحو 46% من السكان فهل هنالك ثمانية عشر مليون سارق.. أم أن المال السائب يعلم السرقة.. أغلب اللصوص ليسوا من الفقراء والمعوزين، مالكم كيف تحكمون.
نقترح الآتي:
إعادة الدولة كلها والعاملين فيها إلى الهيكل الإداري والتنظيمي الموحد في الدولة الواحدة بغض النظر عن أي تسمية أو لافتة جلست تحتها أو استظلت بها تلك الإقطاعيات.
العودة للهيكل الوظيفي الموحد المبني على التسكين حسب المؤهلات العلمية المعروفة لدى الكافة.
العودة للهيكل الراتبي الموحد لكل العاملين في الدولة رأسياً وأفقياً.
إنفاذ قرار إلغاء كل الإعفاءات والامتيازات لأي شريحة تحت أي مبررات كانت، وهي ليست إلا دعوات مغلفة بالباطل لأكل حقوق الدولة والمواطنين بالباطل... اللهم إلا الضعفاء والمساكين والفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة.
 الدراسة الوافية الحازمة لكل المؤسسات والهيئات والشركات بكل ما ورد أعلاه وإلزامها بنتائج مطلوب تحقيقها بلا تبريرات أو أعذار.
فما هو الفاقد للدولة والمواطنين من بيع شركات الاتصالات وخصصة سودانير وإهمال المشاريع الكبرى الزراعية وغيرها والتي كانت تعتمد عليها الدولة. فالمواطن يطالب الدولة بخدمات التعليم والصحة والمياه والأمن الغذائي وهذا حقه، ولا يطالب التجار وأصحاب الأموال بذلك فليس له عليهم حجة ولا فرض، فهم يعملون في موارد خاصة لتعظيم منافع خاصة. فلا حرج عليهم بعد أن يقوموا بالوفاء بالتزاماتهم الضريبية وغيرها أن ينالوا امتيازاً لا يتمتع به الكافة، ولا حرج عليهم ألا يتصدقوا أيضاً لمنفعتهم الأخروية وهذه مهمة خاصة تخص كل شخص في نفسه لا يجب أن ينال عليها تعويضاً دنيوياً.
النظر بجدية وحزم في الموارد التي تأتي تحت المظلات المختلفة للمنظمات وللدولة تحت مسميات برامج الدعم أو المنح أو ما إلى ذلك من لافتات، ويجب أن تخضع لأولويات الدولة وبرامجها وليس لأولويات الآخر وبرامجه، وفي كثير من الأحيان لا تكون تلك المنح والبرامج بريئة من الأجندة غير الوطنية.
وحسب تقارير منظمات الأمم المتحدة لا يصل إلى الجهات المستهدفة أكثر من 20% من المال المخصص وأغلبه يذهب إلى ما يسمى بالخبراء الأجانب وبعضه إلى ما يسمى بالمقابلين الوطنيين National Counter Parts وهو كثير وكبير في نظرهم ولكن يخدم الأغراض الخاصة الأخرى، قاتل الله الفقر.
والأجانب لا حرج عليهم فهم ينفقون لأغراضهم وليس لأغراضك والخيار لك. وقد أخذت الجارة الشمالية جمهورية مصر العربية والجارتان الشرقيتان أثيوبيا وإريتريا موقفاً وطنياً حازماً من تلك المؤسسات والمنظمات ومراكز البحوث ومختلف الواجهات وطالبتها بالشفافية المطلقة في أعمالها ومواردها ومصادرها ومصروفاتها.. وتلك دول الدولة فيها مهابة بغض النظر عن أي شيء، ولا يسرح السفراء والقناصل والأجانب فيها ويمرحون مثل هنا.
وهذا لا يوجد في أي بلاد ذات سيادة محترمة ومرعية من جانب الأجانب، ودونكم سماسرة التأشيرات في بعض السفارات، لماذا تكون تأشيرة العمرة والحج بعشرات الملايين وهي حسب النظام الأساسي للمملكة العربية السعودية  إكرامية؟
إن أردنا أن يكون ذلك مقبولاً فلابد من البدء بالمركز فخمس عشرة وزارة تكفي وتفيض، ومجلس تشريعي من خمسين إلى ستة وستين، وستة أقاليم وخفض التمثيل الدبلوماسي ونفقاته ومخصصاته وتكلفته مالاً وعدداً للدول والمنظمات التي لدينا معها مصالح راجحة بنسبة لا تقل عن 60% بنفس نسبة فاقد الموارد بعد يوليو 2005 أيضاً، وذلك يكفي وزيادة بحسب تناسب الموارد ما قبل  وبعد  يوليو  2011.
والله  أعلى وأعلم

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

nadir halfawe
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

شارك وارسل تعليق

بلوك المقالات

الأخبار

الصور

اعلانات اخبار اليوم