الأثنين, 29 يونيو 2020 02:01 صباحًا 0 327 0
بذرة الحياة : وفاء جميل
بذرة الحياة : وفاء جميل

 

ثورة الوعي ..((2))
أحياناً يصيب المجتمع حالة مِنّ القلق و عدم الإطمئنان في المراحل التي تعقُب الإنتفاضات و الثورات الشعبية التي تهدف للتغيير في السُلطة و إسقاط النظام ، و قد تستمر الثورات إلى ما بعد السقوط و التغيير السياسي ، و يمتد القلق على سير الحراك و مدته ، و يصبح الرهان على قدرة الشباب و كيفية حماية الحراك و تطويره ، و دخول مراحل تاريخية جديدة هي أكثر تقدماً و إنفتاحاً ..

لا يختلف إثنان في أنّه و بعد خوض الثورات ما يزال للمستقبل عتمة و ظلمة ، و ذلك مِن حيثيات كثيرة أهمها أنّ هناك ضبابية و رمادية في رؤية المستقبل القريب أو البعيد ، و أنّه يُصنف ضمن المجهول ، و كذلك كمية التخوف التي تسيطر على طبيعة الأوضاع مِن تغييب ، و تضليل ، و تخدير مارسته الأنظمة تباعاً بإحترافية ممنهجة ، فلا شكّ أنّ هذا القلق و التخوف مبرر و مفهوم إلاّ أنّه لا يمكن أنّ يصبح عائق أمام إستكمال النهضة و التطوير ، و التمسّك بالثورة نفسها كدافع قوي ، و سلاح مصوّب أمام أي عائق يحدّ مِن مواجهة إستكمال البناء و تحقيق الأهداف ، و أيضاً أمام أعداء الثورة الحقيقيين ، و في المقابل يجب أنّ يكون القلق و التخوف حافز على العمل الجاد و التفكير و التخطيط من أجل إبتكار الوسائل و الأدوات الثورية  التي تطورُه بالإتجاه الصحيح نحو تحقيق التحوّل الذي تسعى إليه الأهداف و يتطلع له الشباب و تنتظره جميع القطاعات الشعبيّة الثائرة ..

نجدُ أنّ هنالك تعاليم و مفاهيم إيجابية في الثورة يمارسها و يتعلمها الشعب كأعلى قيمة مثالية لأشكال الإعتماد على النفس و التنظيم و الإدارة الذاتيّة و هو ما يعمل على تراكم الوعي و إحداث نقلة نوعيّة فيه ، و بالطبع الصبر و الثبات الذي تحملهُ الشعب طِوال فترة الثورة  كان خير دليل على ذلك ، و شاهد عيان على أنّ الوحدة و التكاتف ما جاءت إلاّ مع فِكرة الثورة فوضعت للعمل الجماعي أساسيات و شكّلت له أبجديات تتعلم منها الأجيال ، و أثبتت مما لا يدع مجال للشّك أنّ الثورة فِكرة و الفِكرة لا تُغبر ..


الشباب متعطشٌ للنهضة و للتقدّم ، و دائماً ما يسعى للتجديد و التغيير و تخليص الشعب من نُظُم القهر و الإستغلالات الحاكمة و المتراكمة ، و ساعٍ إلى المعرفة من أجل الفهم العميق لطبيعة الصراع الذي يخوضهُ و يتفاعل مع تفاصيلهِ و قادر على بلورة مطالب شعبه و يمتلك الوعي الكافي لكشف المتسلّقين و الإنتهازيين ، و كل مناورات الأنظمة و إستغلال الخارج و تسلُطه و إحتوائه لتراجيدية الثورات ، فالتجربة و الإختبار و الممارسة العملية للثورات الأخرى هي الشرط الأساسي لتطور الوعي الثوري ، و تحرّر البشريّة مِن الأوهام ، فبالتالي تؤسّس لوعي جمعي أقرب إلى الحقيقة و الواقع و أكثر تقدّماً و تحرّراً ، ناهياً بذلك كل أنواع التجاذب و التنافر السياسي التحزبي المتشدق ، الذي لا يبِتُ لروح الثائرين بصلة و لا للوطنية بِعِظة ..

الثورات الشعبية مجدٌ ، عقيدةٌ ، رسالةٌ ، دروسٌ ، مفاهيمٌ ، حقائقٌ ، حقوقٌ ، أرقامٌ ، أحلامٌ ، آمالٌ ، ثقافةٌ ، قِيمٌ ، و ذكرياتٌ خالدة  لأرواح بريئة و لدماء سائلة حائرة ، و الكثير المُثير للشفقة و المُنير لدروب أجيال آتية تصبح لها منهجاً و منهاجاً و مجالاً مِنّ مجالات و مدارات و مدركات الحياة و العيش الكريم ؛ فعندما يُعبِّر الشعب عن نفسه يجدُ فيها عِزةً ، كبرياءً ، رِفعةً و كرامةً ؛ ذلك مما لا يدعُ مجالاً للتفكير أنّ تعبير الشعب عن نفسهِ و عمّا يجعله مُنهكاً مُتعباً هو أنّ يثور مُطالباً بحقٍ كفلهُ له وجودهُ كإنسان على وجه الأرض ، متساوٍ في الحقوق و الواجبات مع غيره ، إذ يتضمن الوعي مفاهيم مِنّ شأنّها أنّ تُحدث تغيير واسع في كل مدارج و مداخل الحياة المختلفة و المتنوعة و اللا متناهية ..

ندركُ تماماً أنّ المجتمعات تتغيّر و تتأثر بكل ما يمرُ بها مِنّ إنتصارات و كبوات و هفوات ،  لذا يُصبح الثبات على المبادئ الأساسية في بناء المجتمعات مِن أصعب الأمور ، لذا أعتقد بأنّ كل جيل جديد يحتاج إلى ثورة جديدة تشبه تطلعاته ، و ترتقي لمستوى نظرته للواقع الذي يحيط به ، و الثورة التي نحتاجها الآن هي ثورة الوعي ، و التخلص من كل ما يشّدنا الى التخلُف و اللامبالاة و التقليد الأعمى للسياسين ، و التبعية الغير سويّة للأحزاب ، دونما تفكير و تبصير بما يجري حولنا مِن مكايد و مكابد و تدابير سيئة ، و غيرها مِن أعمال الثورة المضادة الشنيعة ، و مِنّ المعلوم بمكان أنّ لكل ثورةٍ ثورةٌ مضادة لها ؛ لذلك وجب علينا الوعي و الإدراك التام بأن هذه الأرض المِعطاء الوارفة بالخير و البركة الغنيّة بإنسانها ، تنادي ألآ تفريط و لا تخريب و لا تشتيت و لا تبديد لأي جزءٍ مِنّ أراضيها العالية الغالية ، فإنها عزيزةٌ ، فقد أعزّها الله بقومٍ كِرام إنّ شاءوا عمّروها و إنّ شاءوا أفسدوها  ؛ فياربّ أجعلنا ممّنّ يعليّ شأنّها و يُكرِّم قدرها ، و يرفع مقدارها ..

 


للحديث بقية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

nadir halfawe
كاتب فى صحيفة أخبار اليوم السودانية

شارك وارسل تعليق

بلوك المقالات

الأخبار

الصور

اعلانات اخبار اليوم